
مسقط - الشبيبة
تُعدّ الأمراض القلبية الأيضية، وفي مقدمتها أمراض القلب والشرايين والسكري، من أبرز التحديات الصحية عالمياً وفي منطقة الخليج تحديداً، حيث ترتفع معدلات السمنة وقلة النشاط البدني؛ ما يبرز الحاجة إلى فهم أعمق لمسار هذه الأمراض وتطورها على المدى الطويل. وفي هذا السياق، رصدت دراسة كويتية حديثة نشرتها جريدة القبس الكويتية تطور الأمراض القلبية الأيضية على مدى 13 عاماً، مقدمةً صورة شاملة لاتجاهاتها بالتزامن مع توسع المنظومة الصحية وارتفاع الإنفاق على الرعاية الطبية.
وبيّن مؤلف الدراسة، د. أحمد سلمان، الأستاذ المساعد في قسم ممارسة الصحة العامة بكلية الصحة العامة بجامعة الكويت، أن الدراسة المنشورة في مجلة Journal of Clinical Medicine اعتمدت على البيانات الرسمية لوزارة الصحة خلال الفترة من 2010 إلى 2022، حيث حللت بيانات أمراض الدورة الدموية، ونقص تروية القلب، والأمراض الدماغية الوعائية، وارتفاع ضغط الدم والسكري، إلى جانب رصد الطاقة الاستيعابية لوحدات العناية القلبية، والإجراءات القلبية، ومستويات الإنفاق الصحي، بهدف تتبع التغيرات الشاملة طوال هذه الفترة.
وأوضح الباحث أن إجمالي الوفيات من جميع الأسباب ارتفع من 5448 حالة عام 2010 إلى 8041 حالة عام 2022، فيما سُجلت الذروة عام 2021 إبان جائحة كورونا بواقع 10938 حالة، أما معدل الوفيات الناجمة عن أمراض الدورة الدموية فارتفع من 64.2 إلى 79.8 حالة لكل 100 ألف نسمة بزيادة تقارب 24% مع تسارع ملحوظ خلال سنوات الجائحة، وفيما يتعلق بأمراض نقص تروية القلب ارتفع عدد الوفيات من 1188 حالة عام 2010 إلى 1628 حالة عام 2022 بزيادة تقارب 37%، إلا أن احتساب الوفيات قياساً إلى عدد السكان لم يُظهر ارتفاعاً مماثلاً، ما يشير إلى أن جانباً من زيادة الأعداد يرتبط بالنمو السكاني والتغيرات الديموغرافية.
ولفت د. سلمان إلى أن مرض السكري سجّل الاتجاه التصاعدي الأكثر وضوحاً، حيث ارتفعت الوفيات المنسوبة إليه من 187 حالة عام 2010 إلى 410 حالات عام 2022 بزيادة تجاوزت 119%، فيما ارتفع معدل الوفيات لكل 100 ألف نسمة بنسبة 75%، متصاعداً من 4.38 حالات في الفترة 2010 – 2014، إلى 8.85 حالات في الفترة 2015 – 2019، ليصل إلى 10.48 حالات خلال الفترة 2020 – 2022، مؤكداً أن هذا التصاعد المستمر بدأ قبل الجائحة وتواصل خلالها، مما يعكس تحدياً حقيقياً في مجالي الوقاية والسيطرة ولا يمكن عزوه لتداعيات الجائحة وحدها.
وفي المقابل، أظهرت الدراسة مؤشرات إيجابية تمثلت في انخفاض معدل وفيات ارتفاع ضغط الدم من 4.07 إلى 2.35 حالة لكل 100 ألف نسمة بتراجع بلغ نحو 42%، كما انخفضت وفيات الأمراض الدماغية الوعائية بنسبة تقارب 30%، وهو تباين يستدعي مراجعة أوسع لبرامج الوقاية والكشف المبكر عن السكري للاستفادة من تجربة السيطرة على الضغط والجلطات.
ورصدت النتائج مفارقة لافتة تكمن في أن هذه التغيرات تزامنت مع توسع كبير في المنظومة الصحية؛ إذ ارتفع عدد أسرّة units العناية القلبية من 51 سريراً عام 2014 إلى 147 سريراً عام 2022 بنسبة 188%، وارتفع إنفاق وزارة الصحة من 791.6 مليون دينار عام 2010 إلى نحو 2.1 مليار دينار عام 2022 بزيادة 166%، مشدداً الباحث على أن التوسع العلاجي والمستشفيات وحده لا يكفي لمواجهة الأعباء الوبائية، بل يحتاج لتمويل مماثل يركز على الوقاية والكشف المبكر وتعديل نمط الحياة قبل الوصول للمستشفى.
وعلى مستوى السياسات الصحية، دعا د. سلمان إلى تعزيز نهج الوقاية من خلال ثلاث أولويات رئيسية تشمل إنشاء سجل وطني للسكري يدمج بيانات "السكر التراكمي" لتحديد أسباب ارتفاع الوفيات، وتعزيز إدارة الأمراض المزمنة ضمن الرعاية الصحية الأولية بدلاً من التركيز على الرعاية التخصصية وحدها، إضافة إلى توظيف البيانات الإدارية السنوية كأداة للرصد المستمر، وهو ما ينسجم مع التوصيات العامة باتباع نظام غذائي متوازن كحمية البحر المتوسط، وممارسة النشاط البدني كالمشي المنتظم، والحفاظ على وزن صحي، والإقلاع عن التدخين، وإجراء الفحوص الدورية الشاملة لضبط السكر والضغط والكوليسترول مبكراً.