x

عادل الحمداني يكتب للشبيبة: نتأرجح بين الذاكرة والنسيان.. بين ما نغادره وما يبقى فينا

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٢/أغسطس/٢٠٢٦ ١٢:٥٨ م
عادل الحمداني يكتب للشبيبة: نتأرجح بين الذاكرة والنسيان.. بين ما نغادره وما يبقى فينا
عادل الحمداني

بقلم : عادل الحمداني 


استوقفتني في رواية "رامبو الحبشي" للروائي حاجي جابر عبارة تقول: "الغريب هو أن الإنسان لا يملك رفاهية انتقاء ذكرياته. هنالك ما رغبنا بقوة في الاحتفاظ به لكننا نسيناه، وهنالك ما نستميت بشدة لنسيانه، فيختار العيش في منتصف ذاكرتنا".



أعادتني هذه العبارة إلى جملة سمعتها قبل فترة في فيلم“Reminiscence”، الذي تدور فكرته حول جهاز يستعيد الذكريات. تقول إحدى الشخصيات: "هناك بعض الأشياء لا يجب علينا نسيانها أبدا، لكن بعض الأشياء لا يمكننا نسيانها حتى لو أردنا ذلك".

      توقفت طويلًا أمام التشابه بين العبارتين. كلتاهما تقولان شيئا نعرفه جميعًا، لكننا لا ننتبه له إلا عندما يفاجئنا الماضي من حيث لا نتوقع. هل نحن حقًا من يتحكم في ذاكرته، أم أن الذاكرة هي التي تختار ما تمنحنا إياه وما تخفيه عنا؟.

       هذا الأمر، يدفعني للتساؤل: لو طُلب مني أن أحذف ذكرى واحدة من حياتي، هل سأقوم بذلك؟ أم أنني بذلك سأخسر جزءًا من الشخص الذي أنا عليه الآن؟.

       تمر بنا، في حياتنا، كل يوم عشرات التفاصيل؛ وجوه نراها، ومواقف نعيشها، وأماكن نزورها، وأحاديث نخوضها، ثم فجأة تختفي. من بين كل ذلك، هناك لحظات قليلة تظل عالقة تأبى الرحيل عنا، لأن مرورها علينا لم يكن عابرًا أو بلا أثر استقر في داخلنا. لذلك تبدو عبارة: "إنه لمن السهل أن تتذكر عندما لا تنسى إبدًا" أكثر من مجرد تركيبة لغوية عابرة؛ إنها وصف مثيرٌ لحالة إنسانية تشرح كيف أن الذكريات تبقى حاضرة لا يلغيها تعاقب الأيام والأحداث.

       هناك أحداث تختفي بمجرد تجاوزنا إياها، وأخرى تبقى معنا، نتذكرها لأنها غيّرت شيئا بداخلنا. أتذكر، على سبيل المثال، رحلة عمل قصيرة إلى لندن قبل أكثر من خمسة عشر عامًا. لا أستطيع أن أستعيد تفاصيلها كاملة، ولا أسماء الشوارع التي مررت بها، لكنني لا أنسى صديقي الراحل أبو عزان. أتذكر ضحكاتنا في محطات المترو، وتجولنا في حديقة هايد بارك، وتناولنا وجبة المسكوف في مطعم عراقي، وتنقلاتنا في المدينة منذ الصباح الباكر حتى انتصاف الليل. بقيت تلك اللحظات مع ذلك العزيز الذي افتقده، وتراجعت كل الأشياء الأخرى إلى الوراء. وكأن الأماكن هناك لم تكن إلا مسرحًا كنا من يصنع الذكريات الحقيقية فيها.

       أتذكر، الصدفة التي قادتني للتعرف على أعز أصدقائي الحاليين. لم أكن أتوقع أن رسالة هاتفية بالخطأ ستقودني إلى صداقة امتدت لأكثر من عشرين عامًا. لا أقدر على استعادة الطرق التي سلكناها في رحلات السفر الكثيرة معًا، لكنني استحضر المطاعم التي أكلنا فيها، والمقاهي التي قضينا وقتا طويلًا في زواياها، والأغاني المثيرة للضحك التي أصررنا على الاستماع إليها. ننسى مئات الأشخاص الذين نصادفهم في السفر أو العمل أو في الشارع أو في أي مناسبة كانت، لكننا لا ننسى ذلك الشخص الذي ترك انطباعًا جميلًا أو قدّم معروفًا أو رسم أثرًا في حياتنا.

       أحيانًا أشعر أنني لا أشتاق للمكان، بقدر ما أشتاق إلى الإنسان الذي كان يملأ ذلك المكان بحضوره فيه.

       الأمر لا يقتصر على السفر. نصادف الكثير في كل مكان، لم نعد نتذكرهم. في المقابل يكفي موقف صغير، أو كلمة معبرة، أو عونٌ حصلنا عليه في وقت حاجتنا، حتى يبقى صاحب الموقف والكلمة والعون حاضرًا في ذاكرتنا لسنوات عديدة. نتذكره لأنه ترك شيئًا يستحق البقاء.

       حتى الأماكن لا تبقى في ذاكرتنا لمجرد جمالها أو حسن تنظيمها، وإنما بما تصنعه من أثر فينا. في طوكيو، رغم كل ذلك الإبهار في تنظيم حياة الناس، والتخطيط النموذجي لمسار رحلة العمل، لا أتذكر شكل الفندق الذي سكنت فيه، ولا اسم البرج الشاهق الذي وصلنا إلى قمته، ولا اسم المطعم الفخم الذي تناولنا العشاء فيه، لكنني أتذكر زميلي أبو محمد وهو يملأ كل اللحظات بروحه المرحة وتعليقاته المضحكة على المواقف التي مررنا بها. ما استحضره بقوة من تلك الرحلة، صورة المترجم التي اقتطعناها من الصورة الجماعية، وتقليد أبو محمد، في كل وقت، لتحية السلام الخاصة التي يتميز بها اليابانيون عند ترحيبهم بالضيوف، ودهشتنا لحظة اكتشافنا أن هزة أرضية كبيرة حدثت أثناء اجتماعنا داخل مبنى رئاسة الوزراء دون أن يتأثر المبنى أو يفزع من فيه.

       بالفعل، نتذكر الأشخاص لا لأننا التقيناهم أو سافرنا معهم أو تبادلنا الحديث وإياهم، بل لأنهم تركوا انطباعًا يصعب تكراره، وأثرًا مميزًا. بقية التفاصيل تتساقط في فصل الخريف.

       مع ذلك، الماضي ليس بحاجة لتقديم موعد كي يعود. مذاق قهوة طيبة تأخذنا بعيدًا، أو أغنية قديمة تشدنا إلى لحظة ما، أو نبرة صوت محددة نحلق معها في الآفاق، أو كلمة عابرة تفتح بابًا مغلقًا منذ سنوات. عندها نتساءل: هل كانت تلك الذكرى منسية، أم أنها كانت تقبع في زاوية معتمة من ذاكرتنا، تنتظر ما يُعيدها لدائرة الضوء؟.

       عند التحدث عن الذاكرة، لا يتعلق الأمر بقدرتنا على تذكر الأسماء أو الأماكن أو التواريخ، بقدر ما يتعلق بالأثر الذي بقي حيًا في داخلنا. فقد نعود إلى الماضي، لأسباب تبدو بسيطة، مثل مشهد عابر، أو صورة، أو حتى خيبة كنا نظن أننا تجاوزناها. لا يعني ذلك أن ذاكرتنا خارقة، بل إن بعض التجارب هي في الحقيقة جزءًا راسخًا فينا.

       تجربتنا في الحياة تتشكل من خلال المشاعر التي رافقتنا. لذلك تبقى بعض الذكريات حية، لأنها الأعمق والأكثر أثرًا. ربما لهذا السبب يترك الألم بصمته فينا بالقدر نفسه الذي يتركه الحب، فكلاهما يعيد تشكيل شيء في داخلنا.

       يطول الحديث عن هذه الفكرة، غير أن أكثر ما يثير دهشتي الحضور المفاجئ لذكريات كنت أظن أنني نسيتها. تحضر عبر تفاصيل صغيرة؛ تفصيلة كنت أظن أنها رحلت، تعود بعد سنوات، وكأنها لم تغب يومًا.

       من زاوية علم النفس، يُنظر إلى النسيان بوصفه آلية حماية، تُعرف ب"النسيان التكيفي". يتخلى الدماغ عن المعلومات التي لم تعد ذات قيمة، ليمنح مساحة لتجارب جديدة، ويخفف من التشتت، ويساعد الإنسان على مواصلة حياته بعيدًا عن تراكمات الأفكار المؤذية.

        الذاكرة تشبه بيتًا عتيقًا أُغلقت بعض غرفه لكنها لم تختفي من داخله، تُشبه بيتًا نظنه مرتبًا، ثم نجد فيه صندوقًا منسيًا بداخله أشياء لم نكن نعتقد أنها ما زالت موجودة. تلك أقرب صورة يمكن تخيلها للذاكرة، تقودنا لإدارك أن الدماغ لم يتخلص منها كما تصورنا، وإنما اكتفى بإخفائها، حتى تظهر في الوقت الذي يقرر فيها إعادتها إلينا.

       أخيرًا، ماذا الذي سيخطر ببالك وأنت تستمع لقول "ريموند ريدينغتون" في مسلسل “The Blacklist”: "يظن الناس أن الذاكرة تعمل مثل كاميرات التسجيل، يُسجل العقل الأحداث، وعند الطلب يُعيد عرض نسخة مطابقة. في الحقيقة، يُعاد تشكيل الذكريات مثل تجميع أحجية صور مقطعة دائمة التغير، أكثر منها كإعادة عرض تسجيل".