x

الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: تحت غطاء التسامح إعادة صياغة شرق الأوسط

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٠/أغسطس/٢٠٢٦ ١١:٢٧ ص
الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: تحت غطاء التسامح إعادة صياغة شرق الأوسط
دكتور صادق حسن اللواتي

بقلم : دكتور صادق حسن اللواتي

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تبدأ بإطلاق الرصاص أو تحريك الجيوش، بل تبدأ بإعادة تشكيل الأفكار والقيم والهوية. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من ترسانة عسكرية، وإنما بقدرتها على صناعة الإدراك وتوجيه الوعي العام وإعادة تعريف المفاهيم التي تتحكم في سلوك المجتمعات. ولهذا انتقلت المنافسة الدولية من ساحات القتال إلى ميادين الثقافة والتعليم والإعلام والفضاء الرقمي، وأصبحت الحرب على العقول أخطر من الحرب على الحدود.

 

وفي هذا السياق، يثير الخطاب المرتبط بما يُعرف بـ"الإبراهيمية" نقاشاً واسعاً بين الباحثين. فبينما يراه البعض إطاراً للحوار بين أتباع الأديان وترسيخاً لقيم التعايش، يرى آخرون أن بعض تطبيقاته السياسية يمكن أن تُستثمر ضمن استراتيجيات القوة الناعمة لإعادة تشكيل البيئة الفكرية والسياسية في الشرق الأوسط. وبغض النظر عن الموقف من هذه الرؤى، فإنها تفتح باباً مهماً لدراسة العلاقة بين الدين والسياسة والهوية في عصر تتداخل فيه القوة الثقافية مع المصالح الجيوسياسية.

 

لقد قدّم جوزيف ناي تفسيراً عميقاً لهذه الظاهرة عندما صاغ مفهوم "القوة الناعمة"، موضحاً أن النفوذ الأكثر استدامة لا يُفرض بالقوة العسكرية، بل بجعل الآخرين يتبنون الرؤية التي يريدها الطرف الأقوى طواعية. فحين تتغير منظومة القيم، تصبح القرارات السياسية والاقتصادية امتداداً طبيعياً لهذا التغيير. ومن هنا، فإن التأثير في الثقافة والتعليم والإعلام لا يقل أهمية عن امتلاك الجيوش، بل قد يكون أكثر حسماً في المدى البعيد.

 

ويتكامل هذا التحليل مع رؤية أنطونيو غرامشي، الذي رأى أن الهيمنة الحقيقية لا تقوم على القسر، وإنما على صناعة القبول الاجتماعي، بحيث تتحول أفكار القوة المهيمنة إلى "وعي عام" تتبناه المجتمعات من دون شعور بالإكراه. أما إيمانويل والرشتاين، فقد أوضح أن النظام العالمي لا يحافظ على هيمنة مركزه بالقوة الاقتصادية وحدها، وإنما بإنتاج منظومة معرفية وثقافية تجعل الأطراف تدور في فلكه وتتبنى معاييره بوصفها النموذج الطبيعي للتقدم.

 

هذه الرؤى الغربية تلتقي بصورة لافتة مع ما طرحه عدد من المفكرين المسلمين، ولكن من زاوية الدفاع عن الاستقلال الحضاري ، فقد أكد الإمام الخميني أن الاستكبار العالمي ليس مجرد تفوق عسكري أو اقتصادي، بل هو منظومة متكاملة تسعى إلى إخضاع الشعوب ثقافياً قبل إخضاعها سياسياً. وكان يرى أن الأمة التي تستورد رؤيتها للعالم من الخارج تفقد تدريجياً إرادتها المستقلة، وأن الاستقلال الثقافي يمثل الأساس الحقيقي للاستقلال السياسي والاقتصادي، ولذلك جعل من بناء الإنسان المؤمن بهويته أحد أهم شروط التحرر.

 

ومن الاتجاه نفسه، جاء علي شريعتي ليقدم مفهوم "الاستحمار"، مفرقاً بين الاستعمار الذي يحتل الأرض، والاستحمار الذي يحتل العقل. فالسيطرة الأخطر في نظره ليست التي تُفرض بالسلاح، بل تلك التي تجعل الإنسان يتبنى الأفكار المفروضة عليه وهو يعتقد أنه اختارها بإرادته. ولذلك اعتبر أن معركة الوعي تسبق كل معركة سياسية، وأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير عقله من التبعية الفكرية ومن الاستسلام للمفاهيم التي يصوغها الآخرون.

 

أما الشهيد محمد باقر الصدر، فقد ربط النهضة الحضارية بالاستقلال الفكري، مؤكداً أن الأمة التي تفقد قدرتها على إنتاج رؤيتها الخاصة للإنسان والمجتمع والتاريخ ستتحول إلى مستهلك لنظريات الآخرين، ومن ثم تصبح تابعة لهم سياسياً واقتصادياً. ولذلك دعا إلى بناء مشروع حضاري مستقل ينطلق من الهوية الإسلامية، وينفتح على العالم من موقع الشريك لا التابع.

 

وتكتمل هذه الرؤية فيما يطرحه السيد علي الخامنئي من مفهوم "جهاد التبيين"، الذي ينطلق من أن أخطر معارك العصر هي معركة الرواية والوعي والإدراك. فالجيوش قد تحمي الحدود، ولكنها لا تستطيع حماية العقول من التضليل الإعلامي إذا غاب الوعي النقدي. ولهذا يؤكد أن الدفاع عن الأمة يبدأ بكشف الدعاية، وتحصين المجتمع فكرياً، وإعداد الإنسان القادر على التمييز بين الحقيقة والسرديات التي تُنتجها مراكز النفوذ العالمية.

 

وفي السياق نفسه، يرى علي عزت بيغوفيتش أن الحضارات لا تنهار عندما تُهزم عسكرياً، وإنما عندما تفقد رسالتها الأخلاقية والثقافية، لأن الإنسان الذي يفقد هويته يصبح قابلاً للاندماج في أي مشروع آخر مهما كان بعيداً عن تاريخه. أما منير شفيق، فيذهب إلى أن الصراع العالمي انتقل من احتلال الأرض إلى احتلال الوعي، وأن القوى الكبرى لم تعد تحتاج إلى وجود عسكري دائم إذا نجحت في إعادة تشكيل الثقافة والتعليم والإعلام بما يخدم مصالحها.

 

إن القاسم المشترك بين هذه الرؤى، رغم اختلاف منطلقاتها، هو أن معركة المستقبل ليست معركة حدود فحسب، بل معركة على تعريف الإنسان وهويته ومصادر معرفته. ومن هنا، فإن أي مشروع عابر للحدود، سواء كان سياسياً أو ثقافياً أو دينياً، ينبغي أن يُقرأ في ضوء آثاره على السيادة الوطنية والهوية الحضارية، بعيداً عن الانفعال أو الأحكام المسبقة، وبمنهج علمي يميز بين الحوار الحضاري المشروع وبين توظيف الخطابات الإنسانية لخدمة مشاريع النفوذ.

 

إن الدفاع عن الهوية لا يعني الانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني الذوبان. فالإسلام قدّم نموذجاً راسخاً للتعايش واحترام الإنسان، لكنه في الوقت نفسه أكد على استقلال العقيدة وخصوصية الأمة ورفض التبعية. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية والإسلامية يتمثل في الجمع بين الانفتاح الواعي والاستقلال الحضاري، بحيث يكون الحوار وسيلة للتعارف، لا جسراً لإذابة الخصوصيات أو إضعاف السيادة الثقافية.

 

ولذلك، فإن بناء الأمن المعرفي أصبح اليوم ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي. ويتطلب ذلك تطوير المناهج التعليمية، وتعزيز التفكير النقدي، والاهتمام بالإعلام الرصين، وإعداد مراكز بحث متخصصة في دراسة الحروب الإدراكية والقوة الناعمة، حتى تمتلك الأمة القدرة على فهم التحولات العالمية وصناعة روايتها الخاصة بدلاً من استهلاك روايات الآخرين

 

إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس الاحتلال العسكري، بل أن تُسلب قدرتها على التفكير المستقل. فحين تفقد الأمة ثقتها بهويتها، يصبح إخضاعها سياسياً واقتصادياً نتيجة طبيعية. أما إذا امتلكت وعياً راسخاً، فإنها تستطيع أن تنفتح على العالم، وتتحاور مع الجميع، وتستفيد من منجزات الحضارة الإنسانية، من دون أن تتخلى عن ثوابتها أو تتحول إلى تابع لمشاريع الآخرين. ولذلك ستبقى معركة الوعي، كما أكد كثير من مفكري الشرق والغرب، هي المعركة الفاصلة في رسم مستقبل الأمم في القرن الحادي والعشرين.