
بقلم : علي بن راشد المطاعني
في الوقت الذي تتطلع فيه عُمان إلى الولوج إلى مستقبل قائم على المعرفة، وبناء قدرات بشرية قادرة على مواكبة المستجدات المتسارعة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد، فإن تحقيق ذلك لا يتأتى إلا من خلال الاستثمار الحقيقي في الإنسان العماني، وتوسيع وتنويع فرص التعليم العالي، وزيادة أعداد المبتعثين إلى الجامعات العالمية المرموقة، باعتبار التعليم أحد أهم الاستثمارات طويلة الأجل للدولة، التي يجب ألا نغفل عنها دقيقة واحدة.
ومن هنا، نلاحظ تراجعًا ملحوظًا في هذا الجانب خلال السنوات الأخيرة، رغم أن تنمية الموارد البشرية تمثل أحد أهم مقومات التنمية التي نمتلكها.
فإعلان زيادة عدد المقاعد الدراسية المطروحة للتنافس في العام الأكاديمي 2026/2027 إلى 34,239 مقعدًا، بزيادة تقارب 17% عن العام السابق، يمثل خطوة إيجابية تستحق التقدير، إلا أن هذا العدد يدفعنا إلى طرح سؤال أكبر، خاصة أن عدد الطلبة المتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام وما في مستواه للعام الدراسي 2025/2026 بلغ 65,307 طلاب وطالبات، مقابل 34,239 مقعدًا مطروحًا للتنافس في مؤسسات التعليم العالي والبعثات والمنح المختلفة.
وبذلك، فإن المقاعد المطروحة تعادل نحو 52.4% من هذا العدد، بينما يصل الفرق إلى أكثر من 31 ألف طالب وطالبة، أي ما يقارب 47.6%. وقد لا تتاح لهذه الأعداد فرص التعليم والتدريب والتأهيل بشكل عام، وهو ما يجب أن تبحثه أجهزة الدولة بجدية. فأي مستقبل ننشده إذا بقي نحو نصف أعداد خريجي الدبلوم العام سنويًا خارج مقاعد التعليم؟
وبالطبع، لا يعني ذلك أن جميع المتقدمين لامتحانات الدبلوم العام سينجحون أو سيكونون مؤهلين أو راغبين في الالتحاق بالتعليم العالي، وبالتالي لا يمكن اعتبار هذا الفارق كله طلبة حُرموا من مقاعد جامعية، لكن حجم الفجوة يظل كبيرًا بما يكفي لطرح سؤال جوهري: أين ستكون وجهة هذه الأعداد من أبنائنا وبناتنا، في ظل سوق عمل يتطلب تأهيلًا متواصلًا في عالم يموج بالتطورات المتسارعة؟
وهذه القضية ينبغي ألا تبقى مسؤولية وزارة التعليم وحدها، وإنما يجب أن تكون موضع دراسة من مختلف أجهزة الدولة، لأن عشرات الآلاف من الشباب الذين يدخلون سوق العمل أو يبقون خارجه سنويًا دون تأهيل جامعي أو مهني كافٍ، يمثلون قضية تعليمية واقتصادية واجتماعية في آن واحد.
والجانب الآخر، والأهم، يتمثل في أن عدد البعثات والمنح الخارجية يبلغ 607 فرص فقط، تمثل نحو 2.1% من إجمالي الفرص الدراسية المطروحة، بينما يقارب عدد البعثات والمنح الداخلية 19 ضعف عدد فرص الابتعاث الخارجي.
وهذا الأمر يبعث على التساؤل: هل هذه المعدلات المحدودة من أعداد الطلبة المبتعثين تلبي تطلعات المستقبل لهذا الوطن؟ وهل تتواكب مع متطلبات التنمية البشرية التي نتطلع إليها، باعتبارها أحد المقومات المهمة لتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040؟
فإذا كنا نتطلع إلى بناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة عالميًا، وإلى تطوير قطاعات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة والطاقة المتجددة والأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي والعلوم الطبية والهندسية والبحث العلمي، فمن الصعب تصور تحقيق هذه الطموحات مع بقاء الابتعاث الخارجي عند هذه المستويات المحدودة.
فالتوسع في الابتعاث الخارجي له من الأهداف ما يمكن حصره في هذه العجالة، والكل على دراية تامة بأهميته، إلا أن تراجع هذا الجانب لأسباب مالية بحتة يمثل نظرة قاصرة إلى الاستثمار في الموارد البشرية، الذي يحظى بأهمية كبيرة في بناء قدرات وطنية متنوعة، والاستفادة من مدارس عالمية وتجارب دولية، خاصة عندما تكون البعثات نوعية وموجهة إلى أفضل الجامعات العالمية والتخصصات التي تحتاج إليها مسيرة التنمية خلال السنوات القادمة.
وقد لاحظنا صمتًا من مختلف الجهات التشريعية والمؤسسية تجاه هذه القضية، التي نعلم أنها أُشبعت نقاشًا خلال السنوات الماضية، إلا أنها تظل قضية العصر. وإذا أردنا التطور، فيجب أن تبقى حاضرة في مختلف النقاشات والمؤسسات، حتى نرتقي بمواردنا البشرية إلى المستويات التي تمكننا من الولوج إلى المستقبل.
نأمل برؤية وطنية واضحة تناقش هذا الموضوع من مختلف الجوانب، وتهيئ كل السبل لتطويره، وتأخذ في الاعتبار التطورات في مجالات التنمية ومتطلباتها، وحاجتنا الملحة إلى تطوير قدراتنا البشرية، دون النظر كثيرًا إلى التكلفة المالية؛ فالاستثمار في البشر ليس تكلفة كغيرها، بقدر ما هو استثمار في المستقبل. فالعامل البشري اليوم هو أساس التطور، متى ما تم إعداده وتأهيله بشكل جيد.
وإذا كنا نريد لهذا الوطن أن ينافس العالم في المستقبل، فعلينا أن نتيح لعدد أكبر من أبنائه فرصة التعلم من أفضل ما لدى العالم، وأن نضمن في الوقت نفسه ألا يبقى عشرات الآلاف من الشباب خارج منظومة التعليم والتأهيل دون مسار واضح للمستقبل.