x

الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: الزحف الأربعيني معركة الوعي وانتصار الرسالة الإسلامية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٢/أغسطس/٢٠٢٦ ١٢:١٤ م
الدكتور صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: الزحف الأربعيني معركة الوعي وانتصار الرسالة الإسلامية
الدكتور صادق حسن اللواتي

بقلم: الدكتور صادق حسن اللواتي

 

لم تعد معارك الأمم في القرن الحادي والعشرين تُحسم فقط في ساحات الجيوش، بل انتقلت إلى ساحات أكثر عمقًا وتأثيرًا؛ ساحات العقل والهوية والذاكرة والمعنى. فالقوة الحقيقية لم تعد مجرد امتلاك السلاح، وإنما القدرة على إنتاج الإنسان الذي يحمل رؤية للعالم، ويمتلك المناعة الفكرية التي تمنعه من الخضوع لمحاولات تفريغ المجتمعات من قيمها ورسالتها. ولهذا أصبحت الحروب الحديثة تستهدف وعي الإنسان قبل أرضه، وتسعى إلى السيطرة على إدراكه قبل السيطرة على موارده .

 

ومن هذا المنظور، يمثل الزحف المليوني في أربعينية الإمام الحسين عليه السلام ظاهرة حضارية تتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنه يعكس قدرة رسالة الإسلام على البقاء والتجدد وإعادة إنتاج الإنسان المؤمن بالقيم. فالأربعين ليست مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل هي استمرار لحركة حضارية بدأت في كربلاء عندما واجه الإمام الحسين عليه السلام مشروع تحويل الدين إلى سلطة منفصلة عن قيم العدل والكرامة، وقدم نموذجًا يؤكد أن الرسالات لا تنتصر بقوة السلاح فقط، بل بقدرتها على صناعة الإنسان الذي يحملها ويحفظ معناها .

 

لقد أدرك الإمام علي عليه السلام أن بناء الأمة يبدأ من بناء الإنسان، وأن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس ضعف أدواتها المادية، بل فقدانها للبصيرة والعدل والقدرة على التمييز بين الحق والباطل. فالقوة في المنظور الإسلامي ليست قوة الغلبة فقط، وإنما قوة الالتزام بالمبدأ، وقوة الإنسان الذي يرفض أن يتحول إلى أداة في مشاريع الظلم والاستبداد. ومن هنا جاءت نهضة الإمام الحسين عليه السلام لتثبت أن انتصار القيم قد يكون أعظم من الانتصار العسكري، لأن المعارك تنتهي، أما الأفكار التي تسكن ضمير الإنسان فتبقى قادرة على صناعة التاريخ .

 

إن الزحف الأربعيني يقدم نموذجًا غير مسبوق في بناء القوة الحضارية؛ فهو لا يعتمد على الإكراه أو التنظيم العسكري، وإنما يقوم على قوة الانتماء والإيمان والعمل التطوعي. ملايين البشر يتحركون بدافع داخلي واحد، يجمعهم المعنى قبل المكان، والرسالة قبل المصلحة، والخدمة قبل المنفعة. وهذا يكشف عن نوع من القوة يتجاوز المفهوم التقليدي للجيوش؛ قوة يمكن وصفها بأنها جيش الوعي الرسالي، حيث يصبح الإنسان نفسه أداة لحماية القيم ونشرها وترسيخها في المجتمع .

 

وفي عصر الحرب الإدراكية، حيث أصبحت المعركة الأساسية تدور حول التحكم في الوعي وصناعة التصورات، تكتسب هذه الظاهرة أهمية استراتيجية كبيرة. فالحرب الحديثة لا تهدف فقط إلى احتلال الأرض، بل إلى إعادة تشكيل الإنسان، وإضعاف علاقته بتاريخه، وفصل المجتمعات عن مصادر قوتها الروحية والثقافية. ومن هنا فإن المجتمعات التي تمتلك ذاكرة حضارية قوية، ورموزًا قادرة على توحيدها، ومنظومة قيمية متماسكة، تكون أكثر قدرة على مقاومة محاولات الاختراق الفكري والنفسي .

 

والأربعين تمثل في هذا السياق عملية سنوية لإعادة بناء الوعي الجمعي؛ فهي تحافظ على الذاكرة التاريخية، وتحول القيم الإسلامية إلى ممارسة اجتماعية حية. فالتكافل، وخدمة الإنسان، والصبر، والانضباط، والتعايش بين مختلف القوميات والثقافات، ليست مجرد مظاهر تنظيمية، بل هي تعبير عن قدرة الإسلام على إنتاج مجتمع يقوم على الروابط الأخلاقية لا المصالح المادية وحدها.

 

وهنا تتجلى أهمية فكر الشهيد محمد باقر الصدر، الذي أكد أن الإنسان هو محور حركة التاريخ، وأن الرسالة لا تصبح قوة حضارية إلا عندما تتحول إلى وعي اجتماعي وحركة في الواقع. فالأربعين لا تكتفي بإحياء شخصية الإمام الحسين عليه السلام، بل تعيد بناء الإنسان الذي يحمل قيمه؛ الإنسان الذي يرى الإيمان مسؤولية، والعقيدة مشروعًا، والتاريخ أمانة يجب تحويلها إلى فعل حضاري.

 

كما يلتقي هذا المعنى مع رؤية علي عزت بيغوفيتش الذي أكد أن الحضارة لا تقوم عندما يمتلك الإنسان الأشياء فقط، بل عندما يمتلك معنى يعيش من أجله. فالإنسان الذي يقطع المسافات، ويتحمل المشقة، ويقدم الخدمة للآخرين، إنما يكشف عن مستوى من القوة الروحية التي تتجاوز منطق المنفعة الفردية. وهذه القوة المعنوية هي التي تمنح المجتمعات القدرة على الصمود أمام الأزمات الكبرى.

 

ومن جهة أخرى، فإن نقد عبد الوهاب المسيري للحضارة المادية يوضح أهمية هذه الظاهرة؛ فالإنسان عندما يُختزل في كونه مستهلكًا منفصلًا عن الغاية والمعنى يصبح أكثر قابلية للسيطرة وإعادة تشكيل وعيه. أما الإنسان المرتبط برسالة وقيم وذاكرة تاريخية، فإنه يمتلك مناعة داخلية تجعله أكثر قدرة على مواجهة مشاريع الهيمنة الثقافية. ومن هنا تصبح الأربعين فعل مقاومة حضارية، لأنها تحمي الإنسان من التحول إلى كائن بلا جذور أو رسالة.

 

إن أعظم ما تنتجه الأربعين ليس الحشود، وإنما الإنسان الذي تصنعه هذه الحشود؛ الإنسان الذي يجمع بين الإيمان والمسؤولية، وبين الهوية والانفتاح، وبين الروح والعمل. فالدول قد تستطيع بناء جيوش خلال سنوات، لكنها تحتاج إلى أجيال لبناء مجتمع يمتلك هذا المستوى من الثقة والتماسك والانتماء .

 

ولهذا فإن انتصار رسالة الإسلام لا يُقاس فقط بانتشار الشعارات، وإنما بقدرتها على إنتاج نموذج إنساني قادر على حمل قيمها في الحياة. فالرسالات العظمى لا تبقى بالقوة المادية وحدها، بل تبقى عندما تتحول إلى ثقافة وسلوك ووعي جماعي. والزحف الأربعيني يمثل أحد أبرز تجليات هذه الحقيقة؛ فهو يؤكد أن الإسلام يمتلك قدرة مستمرة على إعادة بناء الإنسان، وأن كربلاء لم تكن نهاية مواجهة تاريخية، بل بداية مشروع حضاري يستمر عبر الأجيال.

 

إن مستقبل العالم لن تصنعه فقط القوى التي تمتلك التكنولوجيا والسلاح، بل القوى التي تمتلك القدرة على صناعة الإنسان الواعي القادر على مقاومة التضليل وحماية المعنى. ومن هنا فإن الأربعين تقدم درسًا استراتيجيًا عميقًا: أن أعظم الجيوش ليست دائمًا تلك التي تحمل السلاح، بل تلك التي تحمل رسالة، وأن الأمة التي تنتصر في معركة الوعي تكون قد وضعت الأساس لكل انتصار آخر.