
بقلم : أحمد الجهضمي
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن تتحول مشاركة منتخبنا الوطني الأول للكرة الطائرة في بطولة غرب آسيا الثانية للمنتخبات، التي استضافتها سلطنة عُمان، إلى إنجاز تاريخي يُتوَّج فيه بالكأس بالعلامة الكاملة، بعد مشوار استثنائي تجاوز خلاله منتخبات تمتلك تاريخًا عريقًا وخبرة واسعة في اللعبة. لكن ما تحقق على أرض الملعب أثبت أن الإنجازات الحقيقية لا تعترف بالتوقعات، وإنما تُصنع بالتخطيط، والإصرار، والعمل المؤسسي.
هذا الإنجاز التاريخي لم يكن مفاجئًا لمن يعرف ما يدور في كواليس الاتحاد العُماني للكرة الطائرة، بقدر ما كان ثمرة طبيعية لمسيرة من العمل المتواصل ورؤية واضحة. فقد نجح الاتحاد في بناء منظومة متكاملة ارتكزت على الاستقرار الإداري، والإعداد الفني، وتوفير البيئة المناسبة للمنتخب الوطني، حتى أصبح قادرًا على منافسة أفضل المنتخبات في المنطقة بثقة واقتدار.
وخلال البطولة، قدم المنتخب العُماني أداءً اتسم بالثبات والانضباط والروح القتالية العالية. فلم تكن الانتصارات مجرد نتائج على لوحة التسجيل، بل كانت انعكاسًا لشخصية فريق عرف كيف يفرض أسلوبه، ويحافظ على تركيزه في أصعب اللحظات، حتى اعتلى منصة التتويج دون أن يتنازل عن أي مباراة، في إنجاز يمنحه قيمة استثنائية ويضعه بين أبرز المحطات في تاريخ الكرة الطائرة العُمانية.
لقد أثبت اللاعب العُماني مرة أخرى أنه قادر على مقارعة الكبار متى ما وجد البيئة الداعمة والثقة الكاملة بإمكاناته. وكان الالتزام والانضباط وروح الفريق الواحد من أهم أسرار النجاح، حيث غابت الفردية وحضرت الجماعية، فأصبح المنتخب بأكمله نجم البطولة، وليس لاعبًا بعينه.
وفي المقابل، يستحق الجهازان الفني والإداري كل الإشادة على العمل الذي سبق البطولة وأثناءها. فقد أحسنا قراءة المنافسين، وأدارا المباريات بكفاءة عالية، وتعاملا مع الضغوط بثقة وهدوء، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أداء اللاعبين داخل الملعب.
كما أن هذا الإنجاز يمثل شهادة نجاح للاتحاد العُماني للكرة الطائرة، الذي واصل العمل بعيدًا عن الضجيج، مؤمنًا بأن النتائج لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالبرامج الواضحة والعمل المستمر. واليوم جاءت البطولة لتؤكد أن ما بُذل من جهد لم يذهب سدى، وأن الاستثمار في بناء منتخب قادر على المنافسة أثمر لقبًا تاريخيًا يعتز به كل عُماني.
ولا تقف أهمية هذا الإنجاز عند حدود التتويج ببطولة إقليمية، بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة الفوز، وتعزيز الثقة في الرياضة العُمانية، وإرسال رسالة واضحة بأن المنافسة على الألقاب أصبحت هدفًا مشروعًا، وليست مجرد أمنية. كما يمنح هذا الإنجاز الكرة الطائرة العُمانية دفعة معنوية كبيرة لمواصلة العمل وتحقيق حضور أكثر تأثيرًا في الاستحقاقات المقبلة.
لقد كانت الجماهير العُمانية على موعد مع لحظة ستبقى راسخة في الذاكرة الرياضية. فهذا اللقب لم يكن مجرد كأس، بل كان إعلانًا عن مرحلة جديدة تؤكد أن الرياضة العُمانية قادرة على صناعة الإنجازات متى ما توافرت الرؤية والإدارة والكفاءة.
ويبقى الأهم بعد هذا الإنجاز هو الحفاظ على المكتسبات، واستثمار هذا النجاح في مواصلة البناء، لأن الوصول إلى القمة إنجاز، أما البقاء عليها فهو التحدي الحقيقي. والاتحاد العُماني للكرة الطائرة اليوم أمام مسؤولية كبيرة لمواصلة هذه المسيرة، مستندًا إلى الثقة التي منحها له هذا التتويج التاريخي.
وفي النهاية، ستظل بطولة غرب آسيا الثانية محطة مضيئة في سجل الرياضة العُمانية، ليس لأنها شهدت أول تتويج لمنتخبنا الوطني باللقب فحسب، بل لأنها أكدت أن العمل المؤسسي القائم على التخطيط والاستقرار قادر على صناعة الإنجازات. وسيبقى هذا اللقب علامة فارقة في تاريخ الكرة الطائرة العُمانية، وبداية مرحلة جديدة من الطموح نحو المنافسة على المستويين القاري والدولي.
هنيئًا للاتحاد العُماني للكرة الطائرة، وهنيئًا للجهازين الفني والإداري، وهنيئًا للاعبين الأبطال الذين كتبوا بأحرف من ذهب واحدةً من أجمل صفحات الرياضة العُمانية، مؤكدين أن المستحيل ليس سوى كلمة تتلاشى أمام الإرادة والعمل والإيمان بالوطن.