
عندما انطلقت النسخة الأولى من كأس العالم في الأوروغواي عام 1930، كان عدد المشاركين 13 منتخبًا فقط. لم يكن الهدف يومها جمع أكبر عدد ممكن من الأعلام، بل تقديم أعلى مستوى ممكن من كرة القدم. وعلى مدى ما يقارب قرنًا من الزمن، بقيت البطولة تتطور بحذر؛ من 16 منتخبًا، ثم 24 في إسبانيا 1982، ثم 32 منتخبًا منذ فرنسا 1998، إلى أن جاء مونديال 2026 ليكسر أكبر الحواجز التاريخية برفع العدد إلى 48 منتخبًا. واليوم، يطرح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو فكرة الوصول إلى 64 منتخبًا في المستقبل.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل يستطيع “فيفا” تنظيم بطولة بهذا الحجم؟ بل: هل سيبقى كأس العالم هو كأس العالم؟
إنفانتينو يبرر رؤيته بأن “العالم كله يجب أن يحلم”، وهي عبارة تحمل بعدًا إنسانيًا وسياسيًا جميلًا. لكن كرة القدم، مثل أي منتج عالمي ناجح، تقوم أيضًا على الجودة والندرة. فكلما اتسعت دائرة المشاركة، تقلصت خصوصية الحدث، وأصبح الوصول إليه أقل استثنائية.
في مونديال 2026، ارتفع عدد المنتخبات إلى 48، وعدد المباريات إلى 104 بدلًا من 64، بزيادة تقارب 63%. اقتصاديًا، تبدو الأرقام مغرية؛ المزيد من المباريات يعني حقوق بث أكبر، ورعاة أكثر، وتذاكر إضافية، وعوائد تجارية ضخمة. وتشير تقديرات “فيفا” إلى أن إيرادات دورة 2026 ستتجاوز إيرادات نسخة 2022 بصورة ملحوظة، مدفوعة بهذا التوسع الكبير.
لكن كرة القدم لا تُقاس بالميزانيات وحدها.
فنيًا، قدم النظام الجديد وجهًا إيجابيًا يتمثل في منح منتخبات من آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية فرصًا تاريخية للظهور واكتساب الخبرة، وهو ما ينسجم مع رؤية مدربين كبار، مثل الفرنسي أرسين فينغر، الذي يرى أن توسيع قاعدة المنافسة يسهم في تطوير اللعبة عالميًا على المدى البعيد.
في المقابل، حذر عدد من الخبراء من أن التوسع المفرط قد يخلق فجوة واضحة في المستوى خلال الدور الأول. وقد عبّر المدرب الألماني يورغن كلوب في مناسبات سابقة عن مخاوفه من ازدحام الروزنامة الدولية، معتبرًا أن اللاعبين أصبحوا يدفعون ثمن التوسع المستمر في البطولات. أما المدرب الإسباني بيب غوارديولا، فقد أشار أكثر من مرة إلى أن كثرة المباريات تؤثر في جودة الأداء وتزيد من مخاطر الإصابات.
ورغم كل ذلك، فإن نسخة 2026 قدمت حقيقة مهمة؛ فالكبار ظلوا كبارًا. فرنسا، والأرجنتين، وإسبانيا، وإنجلترا، إلى جانب القوى التقليدية الأخرى، أكدت أن زيادة عدد المنتخبات لم تغيّر ميزان القوى الحقيقي. فالطريق إلى اللقب ما زال يمر عبر المدارس الكروية الكبرى التي تمتلك عمقًا فنيًا، ومنظومات إعداد متكاملة، وخبرة متراكمة.
وهنا تكمن المفارقة.
إذا كانت الزيادة إلى 48 منتخبًا لم تبدل هوية المرشحين الحقيقيين، فما الذي سيضيفه الوصول إلى 64 منتخبًا؟ هل سنحصل على منافسة أوسع؟ أم على مرحلة أولى أطول تضم مباريات أقل جودة، قبل أن تعود البطولة إلى طبيعتها عندما تبدأ مواجهات العمالقة؟
التاريخ يعلمنا أن قوة كأس العالم لم تكن يومًا في عدد المشاركين، بل في قيمة التأهل إليه. كان مجرد الوصول إلى النهائيات إنجازًا وطنيًا، وكانت التصفيات تُلعب وكأنها بطولة بحد ذاتها. أما إذا أصبح الباب مفتوحًا على مصراعيه، فقد يفقد التأهل جزءًا من هيبته، حتى وإن كسبت البطولة أسواقًا جديدة وجماهير إضافية.
لا خلاف على أن كرة القدم أصبحت لعبة عالمية، وأن القارات كافة تستحق فرصة المنافسة. لكن التحدي الحقيقي أمام “فيفا” ليس في زيادة الأرقام، بل في الحفاظ على هوية البطولة التي جعلت كأس العالم الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة على وجه الأرض.
فالنجاح لا يُقاس بعدد المقاعد التي تضيفها، بل بقدرتك على أن تجعل كل مقعد مستحقًا. وبين حلم إنفانتينو بعالم يشارك كله، وحنين عشاق اللعبة إلى بطولة النخبة، يقف كأس العالم أمام سؤال مصيري: هل تكبر البطولة لأنها تضم منتخبات أكثر، أم لأنها تحتفظ بقيمتها الاستثنائية؟
الإجابة لن يكتبها مسؤولو “فيفا”، بل سيكتبها التاريخ… كما فعل دائمًا.