سالم الحبسي يكتب: الأسود الثلاثة.. حين تتحول أمة كاملة إلى تسعين دقيقة من التاريخ..!!

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٢/يوليو/٢٠٢٦ ١٨:٢٠ م
سالم الحبسي  يكتب: الأسود الثلاثة.. حين تتحول أمة كاملة إلى تسعين دقيقة من التاريخ..!!

هناك منتخبات تلعب كرة القدم، وهناك منتخبات أصبحت هي نفسها لغة لكرة القدم. وإنجلترا تنتمي إلى الفئة الثانية. فمن الصعب أن تذكر المستطيل الأخضر دون أن تمر، ولو عابرًا، على جزيرة صغيرة رسمت للعالم أولى قواعد اللعبة، ثم تركت الكرة تكمل رحلتها وحدها. ولهذا لم يكن لقب “الأسود الثلاثة” مجرد تسمية رياضية، بل اختصارًا لقرون من التاريخ والسلطة والهوية.

الأسود الثلاثة ليست حيوانات مرسومة على قميص أبيض، بل خلاصة ذاكرة وطن. خرجت من شعارات الملوك في العصور الوسطى، واستقرت على صدر المنتخب لتصبح وعدًا أكثر منها زينة. فالأسد في المخيلة الإنجليزية ليس رمزًا للقوة فقط، بل رمز للاستمرار، حتى عندما تتعثر الخطى. ولذلك، بقيت الجماهير تردد “Three Lions” في كل بطولة، وكأنها تؤمن أن التاريخ قد يتأخر، لكنه لا يخون أصحابه.

وإذا أردت تشريح كرة القدم الإنجليزية كما يفعل الطبيب مع الجسد، فابدأ بالقلب. والقلب هنا هو الدوري الإنجليزي الممتاز؛ البطولة التي لم تعد مجرد منافسة محلية، بل أكبر مسرح كروي في العالم. تضخ الأموال كما يضخ القلب الدم، فتنتقل الحياة إلى الأكاديميات، والمدربين، واللاعبين، والاستادات، وحتى المدن الصغيرة. ومن هذا القلب تنبض شرايين تمتد إلى مانشستر وليفربول ولندن ونيوكاسل وبرمنغهام، لتصنع منظومة لا تعتمد على نجم واحد، بل على صناعة متكاملة.

ثم انتقل إلى الرئتين؛ الجماهير. ففي إنجلترا لا تُشاهد المباراة فقط، بل تُعاش. من مدرجات أنفيلد حيث يتردد “You’ll Never Walk Alone”، إلى أولد ترافورد، مرورًا بالإمارات وستامفورد بريدج وسانت جيمس بارك، تتحول المدرجات إلى محركات للأوكسجين الذي يبقي اللعبة حيّة. هناك لا تُورث الأندية حبها، بل تُورث كما تُورث أسماء العائلات.

أما الدماغ، فهو العقل التنظيمي الذي سبق عصره. لم تحقق الكرة الإنجليزية هيمنتها لأنها اخترعت اللعبة فقط، بل لأنها أتقنت إدارتها. استثمرت في البنية التحتية، وأعادت بناء الأكاديميات، وطورت طرق اكتشاف المواهب، حتى أصبحت الأندية الإنجليزية وجهة لأفضل المدربين واللاعبين في العالم. ومع مرور الوقت، انعكس هذا الثراء الفني على المنتخب الوطني.

لكن الجسد لم يكن دائمًا في صحة مثالية. فمنذ التتويج بكأس العالم عام 1966، عاش المنتخب الإنجليزي عقودًا من المفارقات. أسماء لامعة، وأجيال ذهبية، ووعود لا تنتهي، لكنها غالبًا كانت تتوقف عند ركلات الترجيح أو تحت ضغط التوقعات الهائلة. حمل القميص الأبيض عمالقة مثل بوبي تشارلتون، وغاري لينيكر، وبول غاسكوين، ثم ديفيد بيكهام، وستيفن جيرارد، وفرانك لامبارد، وواين روني، لكن الموهبة وحدها لم تكن تكفي لإعادة الكأس إلى موطنها.

كانت المشكلة أعمق من لاعب أو مدرب؛ كانت أزمة هوية كروية. المنتخب كان يجمع أفضل النجوم، لكنه لم ينجح دائمًا في تحويلهم إلى فريق واحد. وبينما كانت الأندية تحصد البطولات الأوروبية، بقي المنتخب أسير الذكريات، وكأن النجاح المحلي يرفض أن يرتدي القميص الوطني.

ثم جاءت المراجعة. لم تكن ثورة صاخبة، بل عملية جراحية دقيقة. تغيّر التفكير قبل أن تتغير الأسماء، وأصبحت الأكاديميات تنتج لاعبًا أكثر اكتمالًا، وأكثر هدوءًا تحت الضغط. ظهر جيل جديد لا يحمل عقدة الماضي، بل يحمل شجاعة المستقبل. ومعه عاد المنتخب إلى نهائي بطولة أوروبا، وإلى الأدوار المتقدمة في كأس العالم، ليؤكد أن العودة لم تكن صدفة، بل نتيجة مشروع طويل.

ولعل أكثر ما يميز إنجلترا أن كرة القدم فيها لا تنفصل عن هوية المكان. فكما يقف بيج بن شاهدًا على الزمن، تقف ويمبلي شاهدة على الذاكرة. وكما تعبر الحافلات الحمراء شوارع لندن كل صباح، تعبر كرة القدم وجدان الإنجليز كل أسبوع. إنها ليست لعبة تُلعب في نهاية الأسبوع، بل ثقافة تُمارس كل يوم.

لهذا، عندما يزأر الأسود الثلاثة، لا تسمع صوت أحد عشر لاعبًا فقط، بل تسمع صدى تاريخ بدأ قبل أكثر من قرن، وما زال يكتب فصوله حتى اليوم. فبعض المنتخبات تبحث عن لقب، أما إنجلترا فما زالت تبحث عن اللحظة التي تجعل تاريخها العريق يبتسم للحاضر كما ابتسم للماضي.

*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي