
في مقالنا السابق بعنوان "إسرائيل الكبرى – الخريطة التي لم يخبروكم عنها"، ناقشنا هذا الموضوع. واليوم نواصل نقاشنا من حيث توقفنا. أبدأ بسؤال قد يتبادر إلى ذهن العديد من القراء: لماذا اختار الصهاينة هذه الفترة الزمنية تحديدًا (2023-2026) علمًا بأن حربهم الأخيرة كانت عام 1967 عندما احتلوا فلسطين بأكملها؟ ولماذا انتظروا كل هذا الوقت؟ أقول إن السؤال وجيه، واليكم الإجابة الكاملة عليه.
إن اختيار بنيامين نتنياهو وحاشيته من غلاة المتطرفين والمستوطنين للفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026 ليكون زمن الحسم وتسريع وتيرة خطة "إسرائيل الكبرى"، لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة قراءة دقيقة للمشهدين الإقليمي والدولي، حيث تقاطعت عدة عوامل شكلت في نظر الصهاينة "فرصة تاريخية ذهبية" قد لا تتكرر:
1. رحيل قادة القومية العربية وفراغ الزعامة
يعيش النظام الإقليمي العربي في هذه السنوات حالة حادة من الفراغ القيادي، جراء غياب ورحيل القادة الكبار الذين حملوا لواء القومية العربية، وجعلوا من القضية الفلسطينية قضية وجودية مركزية لا تقبل المساومة. لقد افتقدت الساحة العربية الزعامات التاريخية التي كانت تؤمن بعمق بمعادلة القائد جمال عبد الناصر: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة". هذا الغياب للفكر القومي الجامع أدى إلى تشرذم الهوية السياسية العربية، وتحول الاهتمام من الدفاع عن الأمن القومي المشترك إلى انكفاء كل دولة على قضاياها ومصالحها الضيقة، مما منح الكيان الصهيوني فرصة الاستفراد بفلسطين دون خوف من جهة عربية موحدة.
2. ضعف وتواطؤ بعض الأنظمة العربية الحالية
تتزامن هذه الفترة مع وصول حالة الضعف الرسمي العربي إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ. فقد تهاوت المحرمات السياسية السابقة عبر هرولة بعض الأنظمة نحو "التطبيع المجاني" وإقامة تحالفات أمنية واقتصادية مع الكيان الصهيوني دون الحصول على أي تنازلات حقيقية لصالح الشعب الفلسطيني. والأخطر من ذلك هو حالة الصمت العاجز، أو التواطؤ المبطن من قبل حكومات أخرى، والتي تجلت في شلل مؤسسات العمل العربي المشترك وعلى رأسها جامعة الدول العربية، التي عجزت حتى عن فرض كسر الحصار عن غزة أو اتخاذ مواقف دبلوماسية واقتصادية صارمة ترقي لحجم المأساة. هذا التخاذل الرسمي أعطى الضوء الأحمر لنتنياهو وحلفائه بأن الجسد العربي في أضعف حالاته، وأن البيئة الإقليمية مهيأة تماماً لتمرير المخططات الكبرى دون عواقب حقيقية.
3. الدعم الغربي غير المشروط والانحياز الأمريكي المطلق
يشكل الموقف الدولي الحاضنة الأساسية التي شجعت اليمين المتطرف على هذا التوقيت. تضمن لحكومة الاحتلال في الفترة الحالية شيكاً على بياض ودعماً مطلقاً من واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى بتجلي هذا الدعم في مستويات عدة:
* سياسيا ودبلوماسياً – الاستخدام العشوائي والمستمر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لإجهاض أي قرار يدعو لوقف إطلاق النار في غزة أو يدين الجرائم الصهيونية، مما عطل الإرادة الدولية تماماً.
* عسكرياً ومالياً – الجسور الجوية المفتوحة التي تمد الكيان بأحدث الأسلحة الفتاكة والذخائر الذكية، إلى جانب التمويل المليارات التي تضمن استمرار الآلة العسكرية الصهيونية دون توقف.
* قانونياً – ممارسة ضغوط هائلة وترهيب سياسي ضد المحاكم الدولية (كمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية) لتعطيل ملاحقة قادة الكيان كمجرمي حرب.
هذا التحالف الغربي الأعمى جعل حكومة نتنياهو تشعر بأنها تعيش في حصانة مطلقة وفوق كل القوانين والمواثيق الدولية، مما دفعها لاستغلال هذه الفترة (2023-2026) لفرض أمر واقع جدي ونهائي على الأرض، مستغلة الانشغال العالمي بصراعات دولية أخرى لتبتلع ما تبقى من الجغرافيا العربية.
وأخيرًا، وهذه نقطة جديرة بالذكر، كان هناك سابقًا حلف وارسو، الذي ضم دول أوروبا الشرقية التي اتحدت في دعمها للقضية الفلسطينية والقضايا العربية. ومع تفكك هذا الحلف، ولا سيما روسيا التي كانت تربطها علاقات وثيقة بقادة عرب بارزين رحلوا عن عالمنا، باتت روسيا الآن تواجه حربًا أوروبية. لم تعد في نفس الموقف الذي كانت عليه سابقًا، وإسرائيل تعلم أنها لن تتدخل لإحباط مخططاتها. وقد منح ضعف المكانة السياسية للدول العربية إسرائيل حافزًا أكبر لتنفيذ مشروعها "إسرائيل الكبرى".
السؤال الذي يُؤرّق كل عربي ومسلم ذي ميول قومية هو: هل سيواصل نتنياهو وترامب حربهما ضد إيران بعد فشلهما في تحقيق أهدافهما في الحربين السابقتين؟ سنجيب على هذا السؤال في الحلقة القادمة.