
الشبيبة - العمانية
انطلاقًا من إيمانها بأن الابتكار يبدأ بفكرة تُعالج احتياجًا إنسانيًّا، نجحت المبتكرة العُمانية عزة بنت محمد المالكي في تطوير ابتكار تعليمي يتمثل في "الألوان الحسيّة"، يهدف إلى تمكين المكفوفين وضعاف البصر من التعرّف على الألوان وفهمها عبر توظيف الحواس الأخرى، في خطوة تعزز دمج هذه الفئة وتوسّع آفاق التعلم الشامل من خلال حلول مبتكرة.
وقالت عزة المالكي في حديث لوكالة الأنباء العُمانية : "الشرارة الأولى بدأت من إيماني بأنّ الإبداع حقٌ للجميع، وأنّ فقدان البصر لا يعني فقدان القدرة على التخيّل أو الإحساس بالألوان، ومع تكرار التساؤل السابق في ذهني، بدأت الفكرة تتحوّل من سؤال إنسانيّ إلى مشروع حقيقيّ"، وأكّدت: "استلهمت الابتكار من احتياج حقيقيّ موجود في المُجتمع، ومن رغبتي في صنع أثر يُلامس فئة غالية تستحق أن تتعلّم وتُبدع بطرق تناسب عالمها الحسيّ، فقررت أن أوظّف الحواس الأخرى كوسيلة تعليميّة بديلة، بحيث يتحوّل اللّون من مفهوم بصريّ إلى تجربة يُمكن لمسها وشمّها والشعور بها"، من هذا المُنطلق، وُجد هذا الابتكار الذي يهدف إلى جعل التعليم أكثر شمولًا وإنسانيّة، ومنح المكفوفين فرصة للتعبير الفنيّ والإبداع بثقة واستقلاليّة.
وتوّج هذا الابتكار بعددٍ من المراكز والجوائز المُميزة، كان من أبرزها الحصول على جائزة الرؤية الاقتصاديّة لفئة المسؤوليّة الاجتماعيّة والاستدامة تحت مظلة جريدة الرؤية في نسختها الثالثة عشرة عام 2025، وجائزة الابداع والتميّز لعام 2025 تحت مظلة مجلة المرأة، وهو ما شكّل دافعًا كبيرًا للاستمرار في تطوير المشروع وتحويله إلى مُبادرة ذات أثر حقيقيّ ومُستدام.
ومن خلال هذا الابتكار، تبيّن المالكية أنّ اللون يُمكن أن يتحوّل من عنصر بصريّ إلى تجربة تُحس عندما نربطه بالحواس الأخرى مثل اللّمس والشم والصوت والارتباطات البيئيّة، فالشخص الكفيف قد لا يرى اللّون بعينيه، لكنه يستطيع أن يشعر به ويتخيّله من خلال التجربة الحسيّة المُرتبطة به، فعندما يلمس الطفل اللّون أو يشم رائحته، يبدأ بتكوين ارتباط ذهنيّ وشعوريّ يُساعده على فهم معنى اللّون والتفاعل معه بطريقة أقرب إلى تجربته اليوميّة، وهذا الأسلوب لا يُعرّف المكفوفين بالألوان فقط، بل يمنحهم مساحة للتعبير الفنيّ والإبداع ويجعل عمليّة التعلّم أكثر مُتعة واندماجًا وإنسانيّة.
ووضحت أنه تم اختيار الخامات بعناية شديدة بحيث تكون آمنة، حسيّة، وصديقة للبيئة، وتُناسب استخدام الأطفال والمكفوفين وضعاف البصر، وكان التركيز الأساسيّ على أن تُساعد هذه الخامات في تعزيز التجربة الحسيّة لكل لون بطريقة واضحة ومُريحة، وأشارت إلى أنّ أبرز الخامات المُستخدمة هي الخامات البيئيّة ذات الملمس المُختلف التي تُساعد على التمييز بين الألوان، وأصباغ آمنة وغير ضارّة على الأطفال، ومواد صديقة للبيئة تُراعي الاستدامة والسلامة، وأكّدت أنّها حرصت أثناء اختيار الخامات على أن تكون مُريحة للحواس، سهلة الاستخدام، وتُساعد على دمج التعليم بالإبداع بطريقة تُناسب احتياجات المكفوفين بشكلٍ فعّال وإنسانيّ.
وأضافت أنّ هذه الألوان الحسيّة تُساعد الشخص الكفيف على تكوين صورة ذهنيّة وشعوريّة للألوان من خلال التجارب التي يعيشها بالحواس الأخرى، ممّا يفتح له مساحة أوسع للخيال والإبداع والتعبير، فعندما يرتبط كل لون بملمس أو إحساس مُعيّن، يُصبح اللّون أقرب إلى تجربة حقيقيّة يُمكن استحضارها وتخيّلها بسهولة، كما أنّ الدمج بين الحواس يعزز الذاكرة بشكلٍ كبير، لأنّ العقل يتفاعل بصورة أقوى مع المعلومات المُرتبطة بالمشاعر والتجارب الحسيّة.
وتوضح عمل هذا الابتكار قائلة: "على سبيل المثال، عندما يرتبط لون معيّن برائحة مألوفة أو ملمس خاص، يُصبح تذكّره أسهل وأكثر عمقًا من مُجرد وصف نظريّ للكلمة، وهذا الربط لا يقتصر على التعليم فقط، بل يخلق علاقة عاطفيّة جميلة بين الشخص الكفيف والعالم من حوله، ويمنحه شعورًا أكبر بالاندماج والثقة والقدرة على التعبير عن مشاعره وفهم البيئة المُحيطة به بطريقة مُختلفة وإنسانيّة".
ويُعتبر هذا الابتكار وسيلة تعليميّة وتدريبيّة يُمكن توظيفه في المدارس ومراكز التأهيل تدعم تعليم المكفوفين وضعاف البصر بطريقة تفاعليّة ومُمتعة، فالألوان الحسيّة لا تقتصر على تعليم الألوان فقط، بل يُمكن استخدامها في تنمية المهارات الحسيّة، وتعزيز التواصل، وتحفيز الإبداع الفنيّ لدى الأطفال، كما أظهرت دراسات وتجارب عالميّة أنّ استخدام اللّمس والصوت والروائح يُساعد الأشخاص ذوي الإعاقة البصريّة على فهم الألوان والتفاعل معها بصورة أعمق.
كما يُمكن دمج الألوان الحسيّة داخل الأنشطة الصفيّة وحلقات الرسم والعلاج بالفنّ، بحيث تُساعد الطلاب على التعبير عن أنفسهم وبناء ثقتهم بقدراتهم، ويمكن أيضًا استخدامها من قبل المعلمين وأخصائيين التأهيل لتطوير أساليب تعليم أكثر شمولًا تُراعي اختلاف احتياجات المُتعلمين، حيثُ يُسهم في إيجاد بيئة تعليميّة أكثر إنسانيّة ودمجًا، ويعزز مفهوم أنّ الإبداع لا يعتمد على البصر فقط، بل يُمكن الوصول إليه عبر الحواس والتجارب المُختلفة.
وتوّضح المالكية أنّ من أبرز التحديات التي واجهتها في خلق هذا الابتكار هو توفير خامات آمنة وعالية الجودة تجمع بين الجانب الحسيّ والتعليميّ في الوقت نفسه، بالإضافة إلى الحاجة لتطوير المُنتج بطريقة تناسب مُختلف الفئات العمريّة ودرجات الإعاقة البصريّة، كما أنّ نشر الوعي بأهميّة التعليم الحسيّ يُعد من التحديات المُهمة، لأنّ هذا النوع من الابتكارات ما زال جديدًا نسبيًّا ويحتاج إلى دعم مُجتمعيّ ومُؤسسيّ أكبر، كما أنّ توفير شراكات مع المدارس ومراكز التأهيل لتطبيق الفكرة بشكل أوسع من التحديات أيضًا، إضافة إلى الحاجة للتطوير المُستمر بناءً على تجارب المُستخدمين واحتياجاتهم المُختلفة.
كما أشارت المالكية إلى كيف أنّ للتقنيات الحديثة والتحوّلات الحاليّة أن تدعم هذا الابتكار لتُضيف بُعدًا أوسع وأكثر فاعليّة، فمن المُمكن دمجها بتقنيات الذكاء الاصطناعي أو التطبيقات الذكيّة، مما يُساعد المكفوفين على خوض تجربة تعليميّة أكثر تطورًا، حيثُ إنّ هُناك أبحاثا عالميّة بدأت تتجه نحو استخدام الأنظمة مُتعددة الحواس لمُساعدة ذوي الإعاقة البصريّة على فهم الألوان والفنون بصورة أكثر شمولًا.
وفي هذا السياق، يُمكن تطوير هذا الابتكار ليشمل مجالات فنيّة أخرى مثل الرسم البارز، والقصص الحسيّة، والمعارض الفنيّة التفاعليّة، وتصميم أدوات تعليميّة تعتمد على الحواس المُختلفة، كما يُمكن توظيف الفكرة في الموسيقى والمسرح والفنون التفاعليّة، بحيث يتم ربط الألوان بالمشاعر والأصوات والملامس لتقديم تجربة فنيّة مُتكاملة تناسب المكفوفين وضعاف البصر، ومن الممكن أيضًا تطوير برامج تدريبيّة وحلقات فنيّة مُتخصصة تساعد هذه الفئة على اكتشاف مواهبهم وتعزيز مُشاركتهم في المجالات الإبداعيّة المُختلفة، لأن الفنّ لا يعتمد على البصر فقط، بل على الإحساس والتعبير والخيال.هذا الابتكار لا يقتصر على التعليم فقط، بل يمنح المكفوفين فرصة أكبر للتفاعل مع التفاصيل اليوميّة المُرتبطة بالألوان والفنون والمشاعر والبيئة المُحيطة، فعندما يُصبح اللّون تجربة محسوسة، يشعر الشخص الكفيف بأنه أقرب لفهم الأشياء التي يتحدث عنها المُجتمع من حوله، وهذا يُعزز شعوره بالاندماج والاستقلاليّة والثقة بالنفس، ويفتح المجال أمامهم للتعبير الفنيّ والمُشاركة في الأنشطة التعليميّة والإبداعيّة بصورة أكثر شمولًا وإنسانيّة.