سالم الحبسي يكتب: سقطت إمبراطوريات النجوم.. ونهضت جمهوريات الفكرة..!!

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٦/يوليو/٢٠٢٦ ١١:٠٢ ص
سالم الحبسي  يكتب: سقطت إمبراطوريات النجوم.. ونهضت جمهوريات الفكرة..!!

مونديال 2026 يعلن الثورة: كرة القدم لم تعد لعبة الأكثر موهبة..بل لعبة الأكثر وعيًا

هناك لحظات لا تغيّر بطولةً فحسب، بل تغيّر تعريف اللعبة نفسها. وما يقدمه كأس العالم 2026 حتى الآن يبدو أقرب إلى انقلاب فكري على المفاهيم التي حكمت كرة القدم طوال العقدين الأخيرين. 

لم يعد التفوق يُقاس بعدد النجوم أو القيمة السوقية أو حجم الأندية التي يمثلها اللاعبون، بل بقدرة أحد عشر عقلًا على التفكير كمنظومة واحدة.

هذه ليست مصادفة. إنها عودة إلى الأصل.

الفيلسوف الهولندي يوهان كرويف كان يقول: «كرة القدم لعبة تُلعب بالعقل، والأقدام ليست سوى أداة تنفيذ.» وبعد عقود، يبدو أن المونديال الحالي يعيد الاعتبار لهذه الفكرة. 

فالعالم لم يقع في حب المنتخبات التي راكمت الاستحواذ أو الأسماء اللامعة، بل انحاز إلى الفرق التي امتلكت هوية واضحة وشخصية تكتيكية مستقلة.

المغرب يمثل النموذج الأكثر اكتمالًا لهذا التحول. الفريق لا يدافع لأنه أضعف من خصومه، بل لأنه يدرك أن السيطرة على المساحات أكثر قيمة من السيطرة على الكرة..خطوط متقاربة، ضغط موجّه، انتقالات هجومية بأقل عدد ممكن من اللمسات، ومرونة تكتيكية تسمح بتغيير الرسم أثناء المباراة دون أن يفقد الفريق توازنه.

أشرف حكيمي لم يعد مجرد ظهير سريع، بل أصبح صانع تفوق عددي، فيما يمنح سفيان أمرابط الفريق استقرارًا دفاعيًا يسمح لبقية اللاعبين بالمغامرة..أما إبراهيم دياز فيمثل اللاعب الذي يربط بين الإبداع والانضباط، وهي معادلة نادرة في كرة القدم الحديثة.

وفي مصر، ظهرت مدرسة مختلفة لكنها لا تقل عمقًا..المنتخب المصري لم يصل إلى الأدوار الإقصائية بفضل لحظة فردية، بل عبر منظومة تعرف كيف تدير الوقت والإيقاع والضغط النفسي. 

الفوز على أستراليا بركلات الترجيح لم يكن انتصارًا للحظ، بل نتيجة مباراة حافظ فيها الفريق على تماسكه رغم الاستنزاف البدني والذهني..محمد صلاح ظل المرجع الهجومي، لكن القيمة الحقيقية كانت في قدرة عمر مرموش ومحمود حسن “تريزيغيه” واللاعب الموهوب هشام ولاعبي الوسط على تقليص المسافات وتحويل الدفاع إلى هجوم في ثوانٍ معدودة. مصر قدمت للعالم رسالة مهمة: التنظيم لا يلغي الموهبة، بل يمنحها بيئة لتزدهر.

أما النرويج، فقد كسرت الصورة النمطية عن الكرة الإسكندنافية..لم تعد تعتمد على القوة البدنية وحدها، بل بنت نموذجًا يجمع بين البناء المنظم والانتقال السريع والضغط المتوازن..ورغم أن إيرلينغ هالاند يظل الوجه الأشهر، فإن خطورة النرويج الحقيقية تكمن في أنها لا تحتاج إلى أن يلمس هالاند الكرة كثيرًا كي تصنع الفرص؛ فالمنظومة نفسها تنتج الهجوم.

وفي المقابل، أثبتت فرنسا وإسبانيا أن المرشح الحقيقي لا يكتفي بالانتصار، بل يعرف كيف يفرض منطقه على المباراة. 

فرنسا تمتلك ربما أكثر قائمة متوازنة في البطولة، تجمع بين العمق الفني والقوة البدنية والمرونة الخططية، بينما أعادت إسبانيا صياغة فلسفة الاستحواذ؛ فلم يعد الاحتفاظ بالكرة غاية، بل وسيلة للوصول إلى المرمى بأقصر طريق.

الدرس الأكبر في هذا المونديال أن كرة القدم تمر بمرحلة انتقال حضاري. البيانات والإحصاءات والذكاء الاصطناعي أصبحت أدوات يومية في إعداد المنتخبات، لكن العامل الحاسم ما زال هو الفكرة. 

الإحصاءات قد تخبرك أين تمرر الكرة، لكنها لا تمنحك الشجاعة لاتخاذ القرار. تلك الشجاعة تولد من الهوية، والهوية لا تُشترى ولا تُقاس بالقيمة السوقية.

لهذا، فإن المنتخبات التي أسرت العالم ليست بالضرورة تلك التي ضمنت اللقب، بل تلك التي أعادت تعريف معنى المنافسة..لقد أثبت المغرب ومصر والنرويج أن المستقبل لن يكون للأغنى، بل للأكثر انسجامًا..وأكدت فرنسا وإسبانيا أن الموهبة لا تصبح قوة إلا عندما تخضع لمنظومة فكرية واضحة.

ربما لن يفوز الجميع بالكأس، لكن بعض المنتخبات حققت إنجازًا أكبر من الذهب؛ لقد أقنعت العالم بأن كرة القدم ما زالت لعبة أفكار، وأن أجمل أهدافها تُسجل أولًا في العقل، قبل أن تهز الشباك.

وسلملي على السامبا ..!!