سالم الحبسي يكتب: من ساحات الفايكنغ إلى مدرجات المونديال.. كيف تحولت طبول الحرب إلى أناشيد للنصر..؟!

مقالات رأي و تحليلات السبت ٠٤/يوليو/٢٠٢٦ ١٦:٣٤ م
سالم الحبسي يكتب: من ساحات الفايكنغ إلى مدرجات المونديال.. كيف تحولت طبول الحرب إلى أناشيد للنصر..؟!

( حين تتكلم الطبول..تصمت الملاعب وتتكلم الأمم )

لم يكن المشهد الذي أعقب فوز منتخب النرويج مجرد احتفال عابر. جلس اللاعبون على الأرض، وأمسك القائد بالطبل، بينما رددت آلاف الحناجر الإيقاع ذاته في انسجام بدا وكأنه بروفة استمرت قرونًا لا دقائق. لم يكن هناك قائد أوركسترا، ولا شاشة إلكترونية توجه الجمهور، ومع ذلك تحرك الجميع بإيقاع واحد، كأن التاريخ نفسه هو من يقود المشهد.

بعد ساعات فقط، كرر المنتخب الإنجليزي المشهد بطريقته الخاصة. اختلف اللحن، واختلفت الكلمات، لكن الرسالة بقيت واحدة: الانتصار لا يكتمل حتى يعود إلى أصحابه الحقيقيين… الجماهير.

قد تبدو هذه المشاهد وليدة كرة القدم الحديثة، لكنها في الحقيقة تمتد إلى جذور أعمق بكثير.

في الدول الإسكندنافية، كان الطبل أداة اتصال قبل أن يكون أداة موسيقية. تشير الدراسات الأثرية إلى أن الطبول والإيقاعات الجماعية استُخدمت في المناسبات العسكرية والاحتفالات القبلية منذ قرون، بينما أصبحت الأناشيد الجماعية لاحقًا جزءًا من الهوية الثقافية لشعوب الشمال. أما في إنجلترا، فقد تطورت ثقافة الهتاف داخل الملاعب منذ أواخر القرن التاسع عشر، بالتزامن مع نشوء كرة القدم الاحترافية، حتى أصبحت المدرجات الإنجليزية واحدة من أكثر البيئات الرياضية تأثيرًا في العالم.

اليوم يحضر مباريات الدوريات الأوروبية الكبرى أكثر من مئة مليون متفرج سنويًا داخل الملاعب، بينما يشاهدها مئات الملايين عبر الشاشات. ومع هذا الاتساع الهائل، لم تختفِ التقاليد، بل ازدادت حضورًا. فالجماهير لا تأتي فقط لمشاهدة مباراة، بل لتجدد طقسًا اجتماعيًا تتوارثه الأجيال.

النرويج تقدم نموذجًا مختلفًا. فالإيقاع البسيط، وجلوس اللاعبين أمام المدرج، وقيادة قائد الفريق للهتاف، يعكس فلسفة اجتماعية تؤمن بأن الفريق والجمهور شريكان في الإنجاز. أما الإنجليز، فيفضلون ما يعرف بثقافة “الهتاف المتبادل”، حيث يبدأ اللاعبون أو الجمهور مقطعًا، ثم يأتي الرد من الطرف الآخر في مشهد يختصر أكثر من 150 عامًا من تاريخ كرة القدم الإنجليزية.

ولعل أجمل ما في هذه الظاهرة أنها تجاوزت حدود الرياضة. فقد أصبحت جزءًا من القوة الناعمة للدول، ومن هويتها الثقافية. فعندما يسمع العالم طبول النرويجيين أو أناشيد الإنجليز أو هتافات الأرجنتينيين أو إيقاعات الكروات، فإنه لا يسمع أصوات مشجعين فقط، بل يسمع ذاكرة شعوب كاملة.

ولعل المثل الشعبي العربي: “الناس على دين ملوكها” يجد هنا معنى مختلفًا؛ ففي الملاعب يمكن القول إن “الجماهير على إيقاع تاريخها.” فالأمم التي تعرف كيف تحتفل، هي غالبًا الأمم التي لم تنسَ كيف تحفظ ذاكرتها.

لهذا لم يكن ما شاهدناه في المونديال مجرد احتفال بعد صافرة النهاية، بل كان درسًا في أن التراث لا يعيش في المتاحف وحدها، بل قد ينبض أيضًا بين آلاف المشجعين، على إيقاع طبل واحد، وصوت واحد، وهوية واحدة..وسلملي على مدينة ليفربول ..!!

*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي