
دراسة بحثية تؤكد تحرك أحد حيتان بحر العرب الحدباء في رحلة طويلة إلى حدود بحر العرب، وهو أمر استثنائي لهذا النوع المُتكيف لأقصى الحدود ضمن موئله الطبيعي، مما يشكل سابقة خارجة عن نطاق المألوف.
تكيفت حيتان بحر العرب الحدباء خلال مراحل تطورها عبر التاريخ للعيش حصرياً ضمن بيئتها المحلية الواقعة داخل حدود بحر العرب، ومن خلال عمليات التتبع عبر الأقمار الاصطناعية التي قام بها الباحثون لدراسة حياتهم، فقد تمكنا من معرفة مسارات تحركاتهم في بحر العرب، وتبين أنها لا تغادر موائلها الطبيعية وتتحرك ضمن نطاقٍ عرضيِ ضيقٍ لا يتجاوز بضع مئات من الكيلومترات. ولكن حوتاً واحداً فقط قام بخرق هذا النمط الاعتيادي مُقترباً من أقصى حدود بحر العرب، وهذا هو الدليل الأول لإثبات مغادرة هذه الحيتان لحدود منطقتها، ولقد أكد فريق الباحثين أن فهم هذه الخطوة سوف يساعد بالتأكيد على معرفة كل ما يلزم لصون وحماية هذه الحيوانات المُعرضة للانقراض.
حيتان بحر العرب الحدباء، هي قطيع صغير من الحيتان الحدباء التي لا يتجاوز عددها 80 حوتاً، وهي مصنفة على أنها مُهددة بالانقراض، وهي لا تغادر خارج منطقتها ضمن الهجرات الموسمية للحيتان الحدباء عبر محيطات العالم، وبغية فهم ومعرفة أنماط تحركاتها ومساراتها، فقد قام فريقٌ من الباحثين الدوليين بتعقب حركاتها خلال السنوات الماضية، وجرى نشر نتائج هذا البحث في المجلة العلمية " Frontiers in Marine Science ".
يوضح هذا الأمر الدكتور أندرو ويلسون، الباحث الرئيسي للدراسة، وعالم في الأحياء البحرية، والمدير المؤسس لشركة بحار المُستقبل العالمية، حيث يقول" لطالما شاهدنا حيتان بحر العرب الحدباء تعيش حصرياً ضمن النطاق الضيق لموئلها الطبيعي في المياه العُمانية، وضمن هذه التحركات المحلية، فهذه هي المرة الأولى التي نسجل بها رحلة طويلة لأحد حيتان بحر العرب الحدباء لأقصى حدود بحر العرب، مما قد يشير إلى وجود موائل طبيعية أخرى لهذه الحيوانات ضمن بحر العرب".
حيتان مُتوطنة
تُشير بعض الدراسات القديمة إلى أن حيتان بحر العرب الحدباء قد انفصلت عن مجموعات الحيتان التابعة للنصف الجنوبي للكرة الأرضية قبل حوالي 70 ألف عام، وبشكلٍ مخالفٍ لبقية أبناء فصيلتها، فهي تعيش وتتحرك فقط ضمن مياه بحر العرب، ويبين الدكتور أندرو ويلسون "إن هذا الأمر يضعنا أمام تحدٍ جديدٍ لمحاولة فهم بيئة الحيتان الحدباء، إذ يبدو أنه في مرحلة ما ضمن حياتها، قامت حيتان بحر العرب الحدباء بتحولٍ جذريٍ لتغير بيئتها وأساليبها للبحث عن الطعام".
جرى ضمن الدراسة العلمية تثبيت 14 من أجهزة التتبع عبر الأقمار الاصطناعية على حيتان بحر العرب الحدباء لمتابعتها أثناء تحركاتها في أعماق البحار، وجرى تثبيت الأجهزة في موقعين اثنين هما "خليج الحلانيات" و"خليج مصيرة"، واستمرت الأجهزة في الإرسال قرابة 53 يوماً، لتعطينا بالضبط 1800 موقع لتواجد الحيتان المُتتبعة.
ويتابع الدكتور ويلسون: "قبل البدء بهذه الدراسة العلمية، كان لدينا العديد من الأسئلة لكشف الغموض الخاص بالحياة اليومية للحيتان الحدباء في بحر العرب، التي بالكاد استطعنا رؤيتها وملاحظتها أثناء الساعات الطويلة التي قضيناها على متن القوارب خلال تنفيذ المسوحات البحرية، وإن تثبيت أجهزة التتبع على هذه الحيتان، سمح لنا بكشف ما يخفيه البحر عنا ومتابعة هذه الحيوانات ومعرفة أماكن تواجدها يومياً عبر الإنترنت".
من ضمن المجموعة التي جرى تتبعها في خليج مصيرة، فقد قامت خمسة حيتان بالبقاء في منطقتها طوال وقت إرسال الأجهزة، بينما غادر اثنان منهم نحو الجنوب إلى خليج الحلانيات، أما الحيتان الست التي جرى تتبعها في خليج الحلانيات، فقد قامت بالتنقل جيئة وذهاباً من خليج مصيرة إلى خليج الحلانيات وحتى جنوب اليمن. وبهذا، فإن خليج مصيرة يُعتبر الموئل الطبيعي الأهم لهذه الحيوانات، حيث جرى تسجيل 57% من المواقع التي زودتنا بها الأجهزة من هناك، و18% في خليج الحلانيات، وبناءً على ذلك نجد أن هذا النطاق الضيق للموائل الطبيعية الأساسية يدلُ على ارتباط الحيتان الوثيق بمواقعها الرئيسية التي لا تزيد المسافة الفاصلة بينها عن 400 كم.
بفضل مواسم الخريف تحدث ضمن المنطقة الغربية من بحر العرب بقعة تقلبات بحرية باطنية هي الأكثر إنتاجية في العالم، والتي تساعد حيتان بحر العرب الحدباء على مر العام، وعلى هذا الأمر يُعلق الدكتور ويلسون: "نعتقد أن دراستنا تُظهر أن تحركات الحيتان مرتبطة بسعيها للحصول على الفرائس البحرية على حدود الجرف القاري، وهي غالباً مجموعات السردين، بينما الغوص عميقاً عند الجرف القاري يرتبطُ عادةً بالبحث عن أنواعٍ أُخرى من الطعام التي تتواجد في المياه العميقة، مثل القشريات الصغيرة".
حوت في رحلة استكشافية
بسبب الشكل الشبيه بشجرة اللُبان على الزعنفة الذيلية لإحدى الإناث، فقد جرى إطلاق اسم "لُبان" على هذه الأنثى المعروفة ضمن الدراسة، والتي قامت بتغيير كبير عن نمطها التقليدي المُعتاد، حيث قامت بالسفر بعيداً لأبعد حدود بحر العرب وجرى رصدها قرب سواحل "جوا" في الهند، كما قطعت خلال رحلة عودتها مسافات تعادل 7 آلاف كم. وفي الوقت الذي كانت أغاني الحيتان هي ما يربط بين الحيتان بين سواحل عُمان وسواحل الهند، فإن هذه الرحلة التي قامت بها “لُبان" تُقدمُ الدليل الأول المباشر على عبور أحد حيتان بحر العرب الحدباء لأطراف بحر العرب.
بقيت "لُبان" حوالي شهر كامل في منطقةٍ قريبةٍ من سواحل الهند تُعرف بغزارتها الإنتاجية، ويعتقد فريق الباحثين أن الدوافع المقرونة وراء هذه الرحلة هي البحث عن الطعام أو التزاوج، وهي عادةً الأسباب التي تدفع الحيتان الحدباء للسفر والتنقل، وقد تم مؤخراً رصد "لُبان" مرةً أخرى قرب خليج مصيرة، وهو أمرٌ عبر عنه الدكتور ويلسون قائلاً: "إنه لمن المُريح رصد الحيتان مرةً أخرى في المنطقة، وذلك نظراً لعددها القليل أساساً".
خبراء التكيف
يأمل فريق البحث أن تتكلل جهودهم بالمساهمة في صون وحماية هذه المجموعة الصغيرة والمعزولة من الحيتان التي تواجه الأضرار الناجمة عن التغير المناخي وعن النشاطات البشرية، إذ يُمكن للبيانات التي يتم جمعها ضمن هذه الدراسة أن تساعد مثلاً في ضمان عدم تأثر هذه الحيتان بنشاطات صيد الأسماك الجارية ضمن موائلها.
وتعبر عن هذا الأمر الفاضلة عائدة الجابرية، أخصائية بيئة بحرية، مشاركة في الدراسة نيابةً عن هيئة البيئة: "لطالما تميزت نظرة السكان المحليين من الصيادين لهذه الحيتان بالتقدير والاحترام عبر الأجيال المُتعاقبة، وفي ضوء التنمية المُتسارعة لمُجتمعاتنا في المنطقة، تأتي أهمية هذه الدراسة لتسليط الضوء مرةً أخرى على هذه الحيتان، وهو أمرٌ حيوي على صعيد صونها وحمايتها".
ويؤكد فريق الباحثين أن تجميع بيانات حركة ومسارات الحيتان لا تكفي وحدها لمعرفة كل شيء عن الحيتان، بل نحن بحاجةٍ إلى المزيد من المسوحات البحرية التي تؤدي للفهم العميق لآلية اعتماد حيتان بحر العرب الحدباء على موائلها الطبيعية، ومدى قدرتها على التعامل مع تأثيرات التغير المناخي والمخاطر الأخرى.
تختتم الفاضلة سعاد الحارثية، المديرة التنفيذية لجمعية البيئة العُمانية والباحثة المحلية المُشاركة في الدراسة: "يؤمن بحر العرب جميع الظروف المواتية لأحد الأنواع التي طالما اعتمدت على الهجرة، لأن تقوم بتغييرٍ جدريٍ في بيئتها المحيطة، وهو ما يدل ويؤكد على الأهمية القصوى لهذه المنطقة، ونحن نأمل أنه بفضل هذه القدرة على التأقلم يُمكن لحيتان بحر العرب الحدباء الصمود أمام الأوقات العصيبة التي سوف تواجهها عندما تتعرض موائلهم للمزيد من التأثيرات المُتسارعة للتغير المناخي".