
ليس مؤلمًا أن تخسر السعودية من إسبانيا، أو العراق من فرنسا، أو الأردن من الأرجنتين، أو قطر من كندا..؟!
المؤلم أن جميع هذه المباريات بدت وكأنها تُلعب وفق سيناريو واحد: فريق عربي يركض كثيرًا، يدافع طويلًا، يقاوم نصف ساعة أو شوطًا، ثم ينهار بمجرد أن ترتفع سرعة المباراة.
هذه ليست مصادفة.
هذه نتيجة فلسفة كروية كاملة.
منذ سنوات، يعيش الإعلام العربي على وهمٍ كبير مفاده أن قوة الدوري تعني قوة المنتخب.
لكن كرة القدم تقول العكس..؟!
السعودية تمتلك أحد أعلى الدوريات إنفاقًا في العالم، وقطر تمتلك أفضل بنية تحتية رياضية في آسيا، والعراق يملك قاعدة جماهيرية هائلة، والأردن يعيش أفضل جيل في تاريخه..ومع ذلك، خرجت المنتخبات الأربعة من الدور الأول دون أي انتصار، وسجلت مجتمعة ستة أهداف فقط، بينما استقبلت أكثر من ثلاثين هدفًا.
هذه ليست أزمة لاعبين.
إنها أزمة نموذج..؟!
انظر إلى المنتخبات الأوروبية.
لا أحد يسأل كم يبلغ راتب اللاعب..؟
السؤال الحقيقي هو:
كم دقيقة لعب هذا اللاعب تحت ضغط عالٍ؟
كم مرة واجه فريقًا يجبره على اتخاذ القرار خلال ثانيتين؟
كم مرة لعب داخل منظومة تعتمد على التموضع، والضغط العكسي، والبناء من الخلف؟
في الكرة الحديثة، اللاعب لا يُقاس بمهاراته الفردية، بل بسرعة قراره.
وهنا تبدأ الفجوة..؟!
اللاعب العربي غالبًا يصل إلى المنتخب وهو معتاد على إيقاع أبطأ، ومساحات أكبر، وضغط أقل.
لكن كأس العالم يلعب بسرعة مختلفة تمامًا.
ولهذا تبدو الأخطاء العربية متشابهة.
تمريرة متأخرة.
استلام خاطئ.
تمركز دفاعي متأخر.
ردة فعل بطيئة.
وكل ثانية تأخير أمام منتخبات النخبة تتحول إلى هدف.
هناك رقم لا يتحدث عنه أحد..؟!
في أغلب الدوريات العربية، نسبة مشاركة اللاعبين المحليين تحت 23 عامًا أقل بكثير من نظيراتها في أوروبا واليابان.
بمعنى آخر..
المنتخب يبدأ متأخرًا..!!
فاللاعب الذي يخوض أول موسم كامل بعمر 23 عامًا ينافس لاعبًا إسبانيًا أو فرنسيًا لعب مائتي مباراة رسمية قبل بلوغه العمر نفسه.
نحن لا نخسر في يونيو.
نحن نخسر منذ الأكاديميات.
ثم تأتي المشكلة الأخطر..؟!
ثقافة الفوز المحلية.
في دورياتنا، المدرب يعيش تحت ضغط النتيجة الأسبوعية.
في أوروبا، يعيش تحت ضغط تطوير المشروع.
ولهذا يغامر المدرب الأوروبي بإشراك لاعب عمره 18 عامًا.
بينما يخشى المدرب العربي إشراك لاعب عمره 22 عامًا.
الفارق ليس شجاعة.
الفارق فلسفة..!
اليابان لم تصبح قوة عالمية لأنها اكتشفت جيلًا ذهبيًا..
بل لأنها منذ ثلاثة عقود بنت هوية كروية موحدة.
المنتخب الأول يلعب بالفكرة نفسها التي يلعب بها منتخب الشباب.
الأكاديميات تنتج اللاعب نفسه.
الاتحاد لا يغيّر مشروعه كل أربع سنوات.
بينما ما زلنا نحن نغيّر المدرب كل خسارة.
ونغيّر الخطة كل بطولة.
ونغيّر الأهداف كل مؤتمر صحفي.
هناك أيضًا سوء فهم للاستثمار..؟!
استقطاب النجوم العالميين يصنع دوريًا أفضل.
لكنه لا يصنع منتخبًا أفضل تلقائيًا.
المنتخب يحتاج إلى دقائق لعب حقيقية للاعب المحلي.
يحتاج إلى مدرب يطور اللاعب لا أن يخفي عيوبه.
ويحتاج إلى منافسات تفرض على اللاعب اتخاذ القرار تحت الضغط.
ولهذا، فإن مليارات الدولارات لا تستطيع شراء ما تصنعه الأكاديمية خلال عشر سنوات.
المنتخبات العربية لا تعاني من نقص الموهبة..!
ولو كان الأمر يتعلق بالموهبة لما رأينا لاعبين عربًا ينجحون في أقوى الدوريات الأوروبية..
المشكلة أن الموهبة لدينا فردية..
أما المنافسون فيملكون منظومات.
وفي كرة القدم الحديثة، المنظومة تهزم الموهبة في أغلب الأحيان.
الخروج من هذه الدائرة لا يبدأ بإقالة مدرب، ولا بتجنيس لاعب، ولا باستقدام اسم عالمي جديد.
بل يبدأ بسؤال أكثر صراحة:
ما هي هوية الكرة العربية خلال السنوات العشر القادمة؟
هل نريد منتخبات تستحوذ؟
أم تضغط؟
أم تلعب بالتحولات؟
من دون إجابة عن هذا السؤال، ستبقى المنتخبات العربية تتغير، بينما يبقى الفشل ثابتًا.
كأس العالم 2026 لم يكشف ضعف أربعة منتخبات عربية.
بل كشف أن الكرة العربية، رغم الأموال والمنشآت والنجوم، ما زالت تستثمر في “الحاضر”، بينما يستثمر العالم في “النظام”.
ولهذا السبب، عندما تبدأ البطولة، لا تكون الفجوة في النتيجة فقط..بل في طريقة التفكير التي صنعت تلك النتيجة.
وسلملي على منتخب تونس ..!!