
من عبدالرحمن فوزي إلى محمد صلاح.. 92 عاماً من الانتظار انتهت في ليلة الفراعنة التاريخية..
لم يكن انتصار منتخب مصر على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف في كأس العالم مجرد فوز في مباراة كرة قدم. كان الأمر أكبر من ذلك بكثير. كان أشبه بإغلاق صفحة طويلة من الحنين والألم والأسئلة المؤجلة، وفتح صفحة جديدة عنوانها: “مصر تستطيع”.
في ليلة فانكوفر، لم ينتصر أحد عشر لاعباً فقط، بل انتصرت ذاكرة وطن كامل ظل يحمل حلم الفوز الأول في كأس العالم جيلاً بعد جيل. انتصرت حكايات الآباء الذين حدثوا أبناءهم عن أيام محمود مختار التتش، وعن موهبة عبدالرحمن فوزي الذي سجل هدفين في مونديال 1934، وعن دموع جيل 1990، وعن خيبة مونديال 2018.
دخلت مصر إلى كأس العالم أربع مرات: 1934، 1990، 2018، و2026. وخلال مشاركاتها السابقة خاض المنتخب ثماني مباريات كاملة دون أي انتصار، محققاً تعادلين وست هزائم، قبل أن يأتي الفوز التاريخي التاسع على نيوزيلندا بنتيجة 3-1. وبعد اثنين وتسعين عاماً من الظهور الأول للمصريين في المونديال، تحقق أخيراً الحلم الذي انتظرته أجيال كاملة.
قد يسأل البعض: لماذا تأخر الفوز الأول كل هذا الزمن؟
الإجابة ليست فنية فقط. مصر كانت تدفع دائماً ثمن الغياب الطويل عن البطولة. بين مونديال 1934 ومونديال 1990 مرت 56 سنة كاملة، ثم غابت 28 سنة أخرى حتى نسخة 2018. وعندما تغيب عن أعلى مستوى كروي في العالم لعقود، فإن تراكم الخبرات يصبح شبه مستحيل.
لكن ما حدث أمام نيوزيلندا كشف عن شيء مختلف. كشف عن منتخب يمتلك شخصية. فريق تأخر بهدف، ثم عاد بثلاثية كاملة. فريق لم يستسلم للحظة الضغط، ولم يختبئ خلف الحسابات المعقدة.
وكانت بصمات الأبطال واضحة.
محمد صلاح لم يكن مجرد قائد. سجل هدفاً وصنع آخر، ورفع رصيده الدولي إلى أرقام استثنائية، مؤكداً أنه ما زال اللاعب الأهم في تاريخ الكرة المصرية الحديثة. أما مصطفى زيكو فكان أحد مفاتيح التحول، بعدما سجل هدف التعادل وصنع هدف صلاح، فيما وضع محمود حسن تريزيجيه خاتمة الحكاية بالهدف الثالث الذي حرر الملايين من عقدة عمرها عقود.
وأنا أكتب هذه الكلمات من عُمان، لا أرى في هذا الفوز حدثاً رياضياً مصرياً فحسب. أراه لحظة ثقافية أيضاً.
مصر ليست دولة عادية في وجدان العرب. هي أم كلثوم حين غنت للأمل. هي نجيب محفوظ حين حكى عن الإنسان البسيط. هي عبدالحليم حافظ حين جعل العاطفة مشروعاً وطنياً. هي صالح سليم والخطيب وأبو تريكة والحضري. هي القوة الناعمة التي صنعت وجدان المنطقة لعقود طويلة.
ولهذا كانت فرحة المصريين مختلفة.
حين يفوز منتخب مصر، لا تهتز مدرجات القاهرة فقط، بل تهتز ذاكرة عربية كاملة تربت على صوت أم كلثوم ولهجة القاهرة وأفلام الأبيض والأسود وأحلام الكرة الجميلة.
هل يستطيع المنتخب الذهاب بعيداً؟
من المبكر الحديث عن منصة التتويج، لكن من المنطقي الحديث عن إنجاز تاريخي جديد. مصر تتصدر مجموعتها بأربع نقاط بعد التعادل مع بلجيكا والفوز على نيوزيلندا، وأصبحت تملك فرصة حقيقية لعبور الدور الأول للمرة الأولى في تاريخها.
وفي كرة القدم، أحياناً لا تبدأ الإنجازات الكبيرة بالبطولات، بل بلحظة إيمان.
ولعل أجمل ما في ليلة فانكوفر أنها أعادت للمصريين هذا الإيمان.
الإيمان بأن النحس ليس قدراً.
وأن التاريخ يمكن إعادة كتابته.
وأن الفراعنة، بعد 92 عاماً من الانتظار، عادوا أخيراً ليقولوا للعالم كله:
“إحنا هنا”..
وسلملي على أشرف بيك محمود