
قبل أن تنطلق صافرة البداية، وقبل أن تتدحرج الكرة فوق العشب، خسر كأس العالم 2026 جزءاً من روحه.
الحدث الذي طالما قدمته الفيفا باعتباره مهرجاناً عالمياً يوحد الشعوب، وجد نفسه فجأة محاصراً بعناوين تتحدث عن رفض دخول حكام، ومنع صحفيين، وتعطيل مسؤولين رياضيين، وكأن البطولة لم تعد احتفالاً بكرة القدم، بل اختباراً سياسياً على أبواب المطارات.
عندما يُمنع حكم دولي معتمد من أداء مهمته رغم امتلاكه التأشيرة والاعتماد الرسمي، فإن القضية لم تعد مجرد إجراء إداري. وعندما يُحرم صحفيون معتمدون من تغطية الحدث الأكبر في العالم، فإن السؤال يصبح أكثر خطورة: كيف يمكن للعالم أن يشاهد البطولة إذا كان بعض من ينقلونها ممنوعين من دخولها؟
الرئيس السابق للفيفا جوزيف بلاتر كان واضحاً عندما انتقد هذه الفوضى، معتبراً أن من واجب الدولة المستضيفة ضمان وصول جميع المشاركين المعتمدين في البطولة، وأن ما يحدث يضرب جوهر فكرة كأس العالم نفسها. بلاتر ذهب أبعد من ذلك حين شكك سابقاً في ملاءمة استضافة بطولة عالمية في بيئة تفرض قيوداً معقدة على الدخول والتنقل.
أما رئيس الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية جياني ميرلو فقد وصف ما يتعرض له الصحفيون بأنه “مشكلة طويلة الأمد وغير مقبولة”، مطالباً الفيفا بالتدخل لحماية حق الإعلاميين المعتمدين في ممارسة عملهم المهني. فالإعلام ليس ضيفاً ثانوياً في كأس العالم، بل هو الشريان الذي ينقل البطولة إلى مليارات البشر حول العالم.
المفارقة المؤلمة أن شعار الفيفا منذ سنوات هو “كرة القدم توحد العالم”. لكن ما يحدث اليوم يوحي برسالة مختلفة تماماً: كرة القدم مرحب بها… أما العالم فليس بالضرورة.
المدافعون عن هذه الإجراءات يتحدثون عن الأمن والسيادة الوطنية، وهي حقوق لا يجادل فيها أحد. لكن البطولات العالمية الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الملاعب الحديثة أو الإيرادات القياسية، بل بقدرتها على استقبال العالم دون تمييز أو استثناء. فنجاح كأس العالم لا يُصنع في مكاتب الهجرة، بل في شعور كل مشارك بأنه جزء من الحدث.
وفي خضم هذه الفوضى، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي قصة أخرى لا تقل غرابة؛ مزاعم تزعم أن المغنية العالمية شاكيرا التي ظهرت في بعض الفعاليات الأخيرة ليست شاكيرا الحقيقية، بل شبيهة لها أو نسخة “مستبدلة”. ورغم الانتشار الواسع لهذه الروايات، لم يقدم أصحابها أي دليل موثوق، لتبقى مجرد نظريات مؤامرة غذتها الصور المعدلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي والمقاطع المقتطعة من سياقها. غير أن انتشار مثل هذه القصص يكشف حجم أزمة الثقة التي باتت تحيط بالأحداث العالمية، حيث أصبح الجمهور مستعداً لتصديق أي رواية غامضة عندما تغيب الشفافية وتكثر التناقضات.
اليوم، لا تواجه الولايات المتحدة أزمة تأشيرات فقط، ولا تواجه الفيفا أزمة تنظيمية فحسب، بل تواجهان معاً أزمة صورة. فالعالم لا يتذكر دائماً عدد الأهداف المسجلة، لكنه يتذكر جيداً من مُنع من الحضور.
وإذا استمرت هذه المشاهد، فقد يدخل كأس العالم التاريخ ليس باعتباره البطولة الأكبر على الإطلاق، بل باعتباره البطولة التي اصطدمت فيها كرة القدم لأول مرة بجدار عند بوابة الدخول.