
لم يكن العالم ينتظر أن يبدأ كأس العالم 2026 بهذا القدر من الدراما. فبين أضواء حفل افتتاح مبهر، وهتافات عشرات الآلاف التي ملأت مدرجات ملعب أزتيكا التاريخي، وبين أحلام الشعوب التي جاءت تبحث عن المجد، خرجت المباراة الافتتاحية لتقدم أول “ترند” مونديالي حقيقي: ثلاث بطاقات حمراء في تسعين دقيقة.
كأن كرة القدم أرادت منذ اللحظة الأولى أن تعلن أن النسخة الجديدة من المونديال لن تكون عادية.
ملعب أزتيكا، الذي شهد تتويج الأسطورة دييغو مارادونا بكأس العالم عام 1986 واحتضن واحدة من أعظم الحكايات في تاريخ اللعبة، عاد ليكون مسرحاً لحدث استثنائي آخر. وبينما كانت الجماهير تستعيد ذكريات “اليد الإلهية” وعبقرية مارادونا، كانت المباراة تكتب تاريخاً جديداً من نوع مختلف؛ تاريخاً عنوانه البطاقات الحمراء.
فوز المكسيك على جنوب أفريقيا بهدفين دون مقابل قد يبدو خبراً عادياً في سجلات النتائج، لكن ما جرى داخل المستطيل الأخضر تجاوز حدود النتيجة. ثلاث حالات طرد في مباراة افتتاحية هو رقم غير مسبوق في تاريخ كأس العالم، متجاوزاً الرقم السابق المسجل في افتتاح مونديال 1990 عندما أكملت الكاميرون مباراتها أمام الأرجنتين بتسعة لاعبين بعد طرد اثنين من نجومها.
الطرد الأول جاء في الدقيقة 50 عندما أوقف سفيفيلو سيتول انفراداً مكسيكياً، ثم تبعه ثيمبا زواني في الدقيقة 84 بعد تدخل استدعى تقنية الفيديو، قبل أن يكمل المكسيكي سيزار مونتيس الثلاثية الحمراء في الوقت المحتسب بدل الضائع.
المفارقة أن الحديث بعد المباراة لم يكن عن الهدفين بقدر ما كان عن البطاقات الثلاث. وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تناقلت المشهد بوصفه أحد أغرب افتتاحات كأس العالم، وتحولت قرارات الحكم البرازيلي ويلتون سامبايو إلى مادة للنقاش والتحليل والجدل.
لكن خلف هذا الجدل تختبئ حقيقة مهمة: كرة القدم الحديثة أصبحت أكثر صرامة من أي وقت مضى. تقنية الفيديو، وتفسيرات القوانين الجديدة، والحرص على حماية اللاعبين، كلها عوامل جعلت البطاقة الحمراء أكثر حضوراً مما كانت عليه في عقود سابقة.
أما على مستوى الأداء، فقد بدا منتخب جنوب أفريقيا، أو “البافانا بافانا”، بعيداً عن الصورة التي كانت تنتظرها القارة السمراء. إفريقيا التي صنعت المفاجآت عبر الكاميرون وغانا والسنغال والمغرب، كانت تأمل بداية أكثر إشراقاً، لكنها وجدت نفسها تتابع افتتاحاً صعباً انتهى بخيبة فنية وانضباطية.
في المقابل، سجل خوليان كينيونيس اسمه في السجلات بهدف مبكر أصبح من بين أسرع أهداف المباريات الافتتاحية في تاريخ البطولة، قبل أن يضيف المخضرم راؤول خيمينيز هدف الاطمئنان برأسية أعادت الابتسامة للجماهير المكسيكية التي كانت تخشى تأثير إصابته قبل البطولة.
الراحل بيليه كان يقول دائماً: “كأس العالم لا يبدأ حقاً إلا عندما يفاجئك بما لم تتوقعه”. أما مارادونا فكان يرى أن “المونديال مسرح للجنون الجميل”. وبين مقولتي الأسطورتين يمكن قراءة ما حدث في أزتيكا؛ افتتاح جمع بين الاحتفال والدهشة، وبين الجمال والفوضى، وبين كرة القدم وقصائدها المجنونة.
هكذا انطلقت البطولة. ليس بهدف رائع أو ملحمة تكتيكية، بل بثلاث بطاقات حمراء أشعلت النقاش في كل مكان. وإذا كان اليوم الأول قد منحنا كل هذا القدر من الإثارة، فإن الأسابيع المقبلة تعد العالم بمونديال قد يكون واحداً من أكثر النسخ جنوناً في التاريخ.
لقد دقت ساعة المونديال، وبدأت الحكاية… وفي أزتيكا، كما جرت العادة دائماً، لا تُكتب الأحداث بالحبر، بل بالأساطير…!!
سالم بن سليم الحبسي
رئيس الاتحاد الخليجي لكرة القدم