
في قلب العاصمة المغربية الرباط، وداخل فضاء علمي وثقافي رفيع المستوى، كانت زيارتي إلى مكتبة السلطان قابوس بالإيسيسكو تجربة تتجاوز مجرد الاطلاع على الكتب إلى رحلة عميقة في عالم المعرفة والجمال والهدوء. منذ اللحظة الأولى لوصولي، استقبلني العاملون في المكتبة بحفاوة لافتة تعكس روحًا إنسانية راقية، حيث لم يكن الترحيب مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان مدخلًا لتجربة ثقافية متكاملة. وقد ازداد هذا الاستقبال دفئًا حين علموا بأنني من سلطنة عُمان، حيث لمست مشاعر ثناء وتقدير صادقة، عبّرت عن عمق الروابط الأخوية بين الشعبين.
قادني هذا الاستقبال إلى جولة تعريفية شاملة داخل أركان المكتبة، حيث تم تقديم شرح وافٍ لمختلف الأقسام والخدمات. ومع كل خطوة، كنت أكتشف تفاصيل تبعث على الإعجاب، بدءًا من التنظيم الدقيق للكتب، مرورًا بتنوعها الكبير الذي يشمل مجالات الأدب والتاريخ والفكر والعلوم، وصولًا إلى التقنيات الحديثة التي تُسخَّر لخدمة القارئ.
لقد أبهرتني جودة المحتوى المعرفي المتوفر، حيث تضم المكتبة مجموعة قيّمة من الكتب التي تلبي اهتمامات مختلف الفئات، من الباحثين إلى القراء العاديين. كما أن اعتمادها على أنظمة إلكترونية حديثة في استعارة الكتب يعكس رؤية متطورة تواكب العصر، حيث يمكن للزائر الوصول إلى الخدمات بسهولة ويسر عبر موقع إلكتروني متكامل.
ومن بين أبرز ما شدّ انتباهي، تلك العناية الخاصة بالأطفال، من خلال قاعة تعليمية مجهزة بأساليب حديثة تجمع بين الترفيه والتعلم، مما يعزز حب القراءة لدى النشء بطريقة مبتكرة. كما تضم المكتبة قاعة محاضرات متطورة، مجهزة بأرقى الأجهزة والتقنيات الحديثة، ما يجعلها فضاءً مثالياً لاستضافة الندوات والفعاليات العلمية والثقافية بمستوى عالٍ من الاحترافية.
أما على مستوى الفضاء العام، فإن المكتبة ليست مجرد مكان للقراءة، بل بيئة متكاملة تهيئ النفس للانغماس في عالم الكتاب. فقد تم اختيار الألوان بعناية لبعث الطمأنينة، كما يسود المكان هدوء مريح يساعد على التركيز والتأمل. كل تفصيل، مهما بدا بسيطًا، يساهم في خلق تجربة فريدة تجعل الزائر يشعر وكأنه في عالم آخر.
ويبقى الركن الخاص بسلطنة عُمان من أكثر الزوايا التي أثارت إعجابي، حيث يجسد عمق العلاقات الثقافية ويقدم صورة مشرقة عن الإرث العُماني. هذا الركن ليس مجرد مساحة عرض، بل هو نافذة على تاريخ وحضارة، يضيف بعدًا إنسانيًا وثقافيًا مميزًا للمكتبة.
إن تسمية هذه المكتبة باسم جلالة السلطان الراحل قابوس بن سعيد تمثل مصدر فخر كبير، فهي ليست فقط تكريمًا لشخصية قيادية بارزة، بل أيضًا تخليد لقيم العلم والثقافة التي آمن بها وسعى إلى نشرها. لقد نجحت هذه المكتبة في أن تكون صرحًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويجسد رؤية حضارية تجعل من القراءة أسلوب حياة.
هذه الزيارة، يمكنني القول إن مكتبة السلطان قابوس ليست مجرد مكان تُحفظ فيه الكتب، بل هي تجربة متكاملة تُشعرك بجمال المعرفة، وتدعوك للعودة إليها مرارً.