علي بن راشد المطاعني يكتب: نصر من وزارة الإسكان والتخطيط العمراني

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٧/مايو/٢٠٢٦ ١٧:٠٢ م
علي بن راشد المطاعني يكتب: نصر من وزارة الإسكان والتخطيط العمراني
علي بن راشد المطاعني

في آخر يوم أربعاء من المعرض العقاري، ذلك الحدث الذي فاض بالنجاح على كل صعيد؛ من إقبال يثلج الصدر إلى عروض سكنية، ومبيعات قياسية، شدّني في ركن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني عنوان أثار فضولي، وكان مفاده: "الانتفاع بالأراضي" ولكن قبل أن أخطو نحو الباب مغادرًا في تمام الساعة 9:30 مساءً، وقع بصري على موظف أنهكه يوم العمل الطويل، فتساءلت في قرارة نفسي: هل بقي فيه رمق ونفحة نشاط ليسعفني بإجابة؟ اقتربت منه وسألته عن خدمات الوزارة في الأراضي وبواباتها الإلكترونية وغيرها من طلبات الاستفادة. وهنا كانت المفاجأة التي أربكت توقّعاتي، إذ استقبلني ذلك الموظف بأسلوب ورغبة صادقة في خدمة المواطنين، في بادرة لم نعد نعهدها كثيرًا هذه الأيام في أي جهة حكومية.

فقد استهل حديثه بعبارات ترحيب وبشاشة واضحة للعيان، قائلًا: "تأمرني، بماذا تريد أن نخدمك؟ نحن تحت أمرك إلى أن تنتهي من طلباتك" ثم أردف بصوت يفيض إخلاصًا: "لن أبرح المعرض، حتى لو جنّ الليل، إلا بعد أن أوفي لك حقوقك وأجيب عن كل تساؤلاتك". صراحةً، شعرت بالخجل يغمرني أمام كرم أسلوبه، وسعة صدره، وانفتاحه المدهش على رواد المعرض.

هذا الموظف اسمه نصر التمتمي، يعمل في المديرية العامة للأراضي بوزارة الإسكان والتخطيط العمراني. وحقيقةً، فإن أمثال "نصر" هم ما تحتاج إليه أجهزتنا الحكومية، وهو نموذج يمكن الاعتماد عليه في أداء واجباته بتفانٍ استثنائي، وبقلب يعشق العمل وبناء الوطن وخدمة أبنائه. أخبرني أنه في خدمة كل مواطن في أي وقت، وهذا شعور نبيل يبعث في الصدر ارتياحًا عميقًا، ويعلّمنا دروسًا لا تُنسى في الإخلاص للعمل والبلاد.

في آخر أيام المعرض، وبعد زيارتي الأولى له في يوم الافتتاح، رأيت ولاحظت علامات الإعجاب بادية على وجوه الزوار، فكيف بالمستفيدين من العارضين والمستثمرين وأصحاب المدن السكنية المتكاملة؟ فكلما سألت شخصًا أجابني بإيجابية، بيد أن الإيجابية الأثمن التي خرجت بها من هذا الحدث الجميل هي معرفتي بهذا الرجل الذي غمرني بخدمته خارج أسوار المكتب، وخارج الوقت الرسمي للعمل بأريحية تستريح لها النفس وتلامس شغاف القلب والروح.

لقد كانت جلستنا في ركنه بالمعرض أشبه بواحة صفاء، إلى أن أُطفئت الأنوار إيذانًا بإغلاق الأبواب. وكان المارّون ممن يعرفونه يلقون عليه السلام ويطالبونه بالمغادرة بعد عناء يوم طويل، غير أنّ ملامحه وحركة جسده كانتا تشيران إلى استعداده للبقاء في خدمة المواطن والمراجع بكل تفانٍ؛ لا يكلّ ولا يملّ من الأسئلة، ويرد بإجابات مقنعة ومفيدة، وكأنه يستمد طاقته من سعادة من يخدمهم.

وحين سألته عن ذلك التغيير الذي غيّر ملامح المنظومة الإسكانية في البلاد عن بكرة أبيها، كما يُقال، ردّ عليّ بأسلوب العارف الفطن بأن ثمة فجرًا جديدًا قد بزغ؛ إنه نمط حياة أراد به المسؤول الأعلى أن يعيد رسم ملامح المستقبل كما في دول العالم المتقدم، ليهب المواطن العُماني حياة كريمة ومسكنًا تتوفر فيه كل مقومات الأمان والراحة، لا أن يظل حبيس أرض بلا روح، في سيوح موحشة وجبال صامتة وأودية سحيقة.

ثم أردف قائلًا: "في تلك المرحلة التي كانت تُوزَّع فيها المخططات بالكامل، كان أحد إقطاعيي العقارات يشتري الأراضي من المواطنين المساكين بأبخس الأثمان، لأنها جرداء من كل مقومات الحياة، ولا تتوفر فيها خدمات الماء والكهرباء والطرق والإنترنت. أما اليوم، فالمطور والمستثمر هو من يبذل وينفق على الخدمات الأساسية ليقيم حيًا سكنيًا متكاملًا، يسكن فيه الغني والفقير بلا تمييز، وتتكفل فيه الحكومة بمنح ذوي الضمان الاجتماعي والدخل المحدود مساكن، حتى في مدينة السلطان هيثم وغيرها. فلا تعجب إذًا أن تشتري الوزارة من المطورين فللًا للمستحقين في الإسكان الاجتماعي، ليسكن الجميع بكرامة وراحة عصرية تامة".

إنّ وزارة الإسكان والتخطيط العمراني محظوظة حقًا بموظفين أمثال نصر التمتمي، هذا الرجل الذي يستحق أن يُطلق عليه لقب "سفير الإسكان". كما أنها محظوظة بنجاح فكرة تغيير ثقافة المجتمع نحو المجمعات السكنية المتكاملة، وبهذا المعرض الذي أذهل الجميع، حتى إن معرض الكتاب لم يضاهه إقبالًا، بل حتى مواقف السيارات عجزت عن استيعاب زواره.

وبالطبع، فإن هذا النجاح في إيجاد موظفين مثل "نصر"، يغمرك بأخلاقه وتعامله قبل أن تغمرك الوزارة بخدماتها، لم يكن وليد صدفة عابرة، بل هو نجاح باهر للوزارة في استقطاب كوادر وطنية بهذه الإيجابية اللامتناهية. ولعلني، يوم زرتها، لمست بنفسي أن وجوه الموظفين كانت تتحدث قبل ألسنتهم، وأن علامات الرضا كانت بادية على تقاسيمهم المستبشرة، وكأنها عطر لا يتبدد.

نأمل من أعماق قلوبنا أن نجد "نصر" في كل جهة حكومية، لتنهض عُمان الحبيبة وتشرق شمس مستقبلها على أيدي أبنائها المخلصين، وليكن كل موظف سفيرًا لمؤسسته، يُلهم من حوله كما ألهمنا "نصر" الذي يستحق بكل امتنان وفخر أن نحتفي به ونمنحه لقب "سفير الموظف المجيد".