
خصص البشر أيامًا معينة للمناسبات الاجتماعية كعيد الأم، وعيد الأب، وعيد الشجرة، وغيرها. إلا أنه لا يوجد يوم مخصص للأعمال الصالحة إلا في الإسلام. فقد خصص رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم هذا اليوم بقوله: "ما من أيام أحب إلى الله من هذه الأيام" مشيرًا إلى العشر الأوائل من ذي الحجة. جاعلاً إياها أفضل أيام السنة للعبادة. ونحن إذ نعيش هذه الأيام العشر المباركة، أجد لزاماً علي أن أتوقف وقفة تأمل قصيرة عند مفهوم يُعد الركيزة الأساسية للأثر الباقي للإنسان في حياته وبعد رحيله، وهو "الأعمال الصالحة". فما هي الأعمال التي حثنا عليها الخالق في محكم تنزيله، وجعلها قرينة الإيمان في آيات شتى؟
إن المتأمل في جوهر الدين يدرك أن هناك فرقاً دقيقاً بين "أركان الإسلام" وبين "العمل الصالح". فأركان الدين من توحيد، وصلاة، وصوم، وزكاة، وحج، هي العبادات المفروضة التي تمثل صلة العبد بربه، وهي أركان لا يستقيم الدين إلا بها، وأجرها عند الله عظيم وفوائدها الروحية لا تُحصى. إلا أن "الأعمال الصالحة" بمفهومها الواسع تتجاوز حدود الشعائر التعبدية المحضة، فهي تلك الأفعال التي ينبري لها الإنسان بروح المبادرة والإنسانية خارج نطاق التكليف الديني المباشر، لتكون ثمارها ممتدة إلى الآخرين. العمل الصالح هو كل فعلٍ يخرج من ذات الإنسان ليضيء حياة غيره، كبناء مسكن يأوي فقيراً، أو كفالة يتيم تمسح عنه غبار اليتم، أو عقلٍ يسهر في مختبره ليطور لقاحاً ينقذ البشرية من وباء فتاك، أو يدٍ مخترعة تبتكر جهازاً يخفف أنين المرضى. باختصار كل منفعةٍ تتعدى الذات لتعم البشرية هي عمل صالح.
وهنا، تبرز قيمة العلم كأسمى صور النعم التي يمن الله بها على عباده. إن الشاب الذي نال أعلى الدرجات الأكاديمية، من دكتوراه أو هندسة أو غيرها، يجب أن يدرك أن شهادته ليست مجرد ورقة للتباهي الاجتماعي أو وسيلة لضمان عيش رغيد وراتب مرتفع فحسب، بل هي "أمانة" وهبة إلهية وضعت بين يديه لنفع الناس.
إن العلم الذي لا يثمر نفعاً للمجتمع وللوطن وللإنسانية هو علم ناقص الأثر. لذا، فليكن سعيك أيها المتعلم منصباً على أن تجعل من علمك غيثاً يهطل على جيرانك، ومجتمعك، وعامة الناس. لا تجعل الغاية هي المظاهر الزائلة، بل اجعل المعرفة التي اكتسبتها جسراً يعبر عليه المحتاجون نحو حياة أفضل.
يحزنني كثيراً حين أرى كوكبة من الشباب الذين تسلحوا بأرفع الشهادات، ومع ذلك يقفون في أماكنهم دون أن يتركوا بصمة تذكر، أو يقدموا إسهاماً حقيقياً بنهض ببلادهم أو يخدم البشرية. إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الشهادات المعلقة على الجدران، بل يحتاج إلى عقول مفكرة وأيادٍ عاملة تحول المعرفة إلى فعل وصلاح.
ليكن ختام قولي إن العمل الصالح هو تجلي الإيمان في واقع الحياة، وهو الرسالة التي تبقى حين يرحل الجميع، فازرعوا من الصالحات ما يجعل الأرض خلفكم أكثر اخضراراً ونوراً.