علي المطاعني يكتب: دلالات الذكاء الاصطناعي بمسقط

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٤/مايو/٢٠٢٦ ١١:٢٩ ص
علي المطاعني يكتب: دلالات الذكاء الاصطناعي بمسقط
علي بن راشد المطاعني

يمثّل صدور المرسوم السامي رقم50/2026 بإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة بمحافظة مسقط خطوة استراتيجية متقدمة؛ تعكس مستوى الاهتمام السامي بتحول الاقتصاد العُماني نحو اقتصاد معرفي رقمي، قائم على الابتكار والتقنيات المتقدمة، ومتسق مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 والخطة الخمسية الحادية عشرة.

فهذا المشروع التقني يحمل دلالات استراتيجية عميقة الأغوار على مستويات متعددة (اقتصادية، سياسية، تنموية)، فهو يؤكد على انتقال السلطنة من الاعتماد التقليدي على النفط إلى اقتصاد قائم على التكنولوجيا والمعرفة، إضافة لتعزيز الاقتصاد الرقمي وجعله رافدًا أساسيًا للنمو الاقتصادي.

وكما نلاحظ جميعًا فإنّ المنافسة العالمية الآن تجاوزت حقول الطاقة بأنواعها، بل إنّ المفهوم الجديد يشير بوضوح إلى أنّ من يمتلك التكنولوجيا هو الوحيد الذي يملك حق الكلام وحق انتقاد الآخرين، ونعلم أيضًا أنّ الدول المنتجة للتكنولوجيا في عالم اليوم هي وحدها التي تمتلك النفوذ السياسي الضارب والحاسم، في حين تتلقى الدول المستهلكة الأوامر والتعليمات ولا تملك غير الطاعة والاستجابة كخيار وحيد تملكه.

على ذلك فإنّ السلطنة تتجه لتعزيز دورها السياسي الحيادي الذي نال استحسان سكان كوكب الأرض عبر القوة الناعمة التقنية المؤطرة بسياج استقلالية القرار، والمتكئ على مبدأ النأي عن التبعية لأي جهة كانت، وتقليل أو تصفير الاعتماد على الخارج في عصر أمست فيه التكنولوجيا أداة نفوذ فاعلة وخطيرة.

فضلًا عن أنّ الخطوة تكرس الاستقرار الداخلي طويل المدى للمشاريع المستقبلية الكبرى وتعطي انطباعًا بثقة الدولة في المستقبل، إضافة لتوفير فرص عمل نوعية تختلف عن تلك السابقة؛ الأمر الذي يساهم في الاستقرار الأسري والمجتمعي.

والمشروع إجمالًا يعني التحول الجوهري من دولة مستهلكة إلى دولة منتجة لنوع جديد ومبهر من المنتجات التقنية فائقة الإبهار، وقد باتت هذه المنتجات ساحة الركض العظمى المفضية لرفاهية الشعوب.

ثم إنّ السلطنة سترتقي في سلم الاهتمام العالمي من متلقٍ للتكنولوجيا إلى شريك فاعل وأصيل في صناعتها، وبما أن عُمان معروفة عالميًا بسياسة الحياد الإيجابي وتمتلك في جعبتها رصيدًا ضخمًا من ثقة الآخرين بها عبر وساطاتها الناجحة في الصراعات المعروفة، ذلك يلهمها قدرة التحول من وساطة سياسية إلى وساطة تقنية على ضوء الحقيقة القائلة إن العالم يتجه من صراعات تقليدية إلى صراعات من نوع جديد كليًا هو الصراع على البيانات وصراع مميت على الذكاء الاصطناعي، وهكذا وضع يؤهلها لاستضافة شركات من دول متنافسة داخل بيئة محايدة لا تتوفر إلا في مسقط.

هذه الصفات الوسيمة النادرة ستمنحها الأفضلية في التعاون مع القوى الكبرى في هذا المجال مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا الاتحادية، فهذا التموضع كفيل بمنح مسقط منصة مستقرة للتعاون التقني مع هذه الكيانات العظمى، مرتكزة على استقرارها الداخلي والمفتقد في كثير من الدول، كما أنّ موقعها الجغرافي الفريد يمنحها ميزة إضافية وهي تحويل المشروع إلى جسر للتعاون الدولي.

إنّ اختيار الذكاء الاصطناعي ليكون محورًا لمنطقة اقتصادية خاصة يعكس إدراكًا عميقًا بأن التنافس الاقتصادي العالمي لم يعد قائمًا على الموارد التقليدية وحدها، بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على امتلاك القدرات الرقمية، واستقطاب الاستثمارات التقنية، وتوطين المعرفة، وبناء منظومات الابتكار الوطنية.

وتبرز أهمية المنطقة كذلك في دورها المتوقع في دعم نمو الاقتصاد الرقمي، الذي تشير مستهدفات الخطة الخمسية الحادية عشرة إلى ارتفاع متوسط معدل نموه إلى نحو 10.8%، مع مساهمة متوقعة تصل إلى 4.2% في الناتج المحلي الإجمالي، وهي مؤشرات تعكس التحول المتدرج نحو اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية، وتؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة تنموية.

وفي هذا السياق، يأتي الدور المحوري للهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة باعتبارها الجهة المشرفة على إدارة وتشغيل وتطوير المنطقة، مستندة إلى خبرتها المتراكمة في إدارة المناطق الاقتصادية، وقدرتها على توفير بيئة استثمارية تنافسية قائمة على الحوافز والتسهيلات والإجراءات المرنة، وتمثل هذه الخبرة عنصرًا حاسمًا في تسريع تشغيل المنطقة واستقطاب المستثمرين النوعيين إليها.

كما أنّ قيام الهيئة بإدارة المنطقة بالتنسيق مع وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات يعكس تكاملًا مؤسسيًا مهمًا بين الجهات المعنية بالتحول الرقمي والاستثمار والتنمية الاقتصادية، وهو ما يعزز فرص نجاح المشروع وتحقيق أهدافه الاستراتيجية بكفاءة عالية.

ومن المتوقع أن تسهم المنطقة في بناء قدرات وطنية متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي، عبر دعم برامج التدريب والتأهيل، وتعزيز التعاون مع الجامعات والمؤسسات البحثية، وتمكين الكفاءات العُمانية من الانخراط في الاقتصاد الرقمي.

كما ستشكل المنطقة منصة وطنية لاحتضان شركات التقنية الوطنية الناشئة، وتعزيز منظومة الابتكار وريادة الأعمال، وخلق بيئة داعمة لتطوير التطبيقات الذكية في القطاعات الحيوية مثل الطاقة، والصحة، والخدمات اللوجستية، والتعليم، والمدن الذكية.

وإذا كانت المناطق الاقتصادية الخاصة تمثل عادة أدوات لتعزيز التنويع الاقتصادي، فإن منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة تمثل نموذجًا متقدمًا من هذه الأدوات، لأنها تستهدف قطاع المستقبل قبل أن يصبح قطاع الحاضر، وهو ما يعكس الرؤية الاستشرافية للتوجيهات السامية في بناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة والتقنية والابتكار.

إن هذه المنطقة ليست مجرد مشروع تنموي جديد، بل هي إعلان عملي بدخول سلطنة عُمان مرحلة جديدة في مسار الاقتصاد الرقمي، مرحلة عنوانها الاستثمار في الإنسان والتقنية والمعرفة باعتبارها الركائز الحقيقية لاقتصاد المستقبل.