تاريخياً، علاقة عُمان بالولايات المتحدة قديمة ومتجذرة تعود لنحو مائتي عام إلا قليلاً. وفي واشنطن ومسقط، تعرض سفارتا البلدين لوحات تجسد الرحلة العُمانية إلى نيويورك لتؤكد قدم العلاقة واستمراريتها، وإن شابها الجمود فهي طارئة وعابرة.
وفي الآونة الأخيرة، كثرت الأحاديث والتحليلات عن دور عُمان في الوساطة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية، وهو دور تقليدي يرى فيه الطرفان عُمان وسيطاً نزيهاً صادقاً ليس له حسابات أو منافع سوى لصالح السلام في المنطقة، لكن البعض ذهب إلى التشكيك في حيادية مسقط في هذه الوساطة، وفي الحقيقة هم يهربون من الوصف الدقيق ليشككوا في الحيادية بدلاً من الاعتراف بممارسة عمان الصدق والنزاهة في الوساطة، فعُمان مارست الحيادية في تقريب الطرفين والصدق معهما.
وقبل الرئيس ترامب، مر رؤساء على الإدارة الأمريكية، وجدوا كلهم في عُمان ضالتهم ومفتاحاً لهذه الوساطات مع إيران وغيرها كأنصار الله اليمنية، بل حتى حلفاء الولايات المتحدة وبخاصة الأوروبيين قالوا نعم لعُمان.
السياسة ليست فقط فن الممكن، بل اختبار للصدق والنوايا الطيبة للوصول إلى نتائج ترضي الجميع. لكن هناك من رأى أن عمان ليست وسيطاً محايداً..هم يرونها بعيون مآربهم الهدامة في المنطقة ويرونها بعيون الجزار نتنياهو والرئيس ترامب. حسناً فقد مارست عمان الوساطة بنوايا صادقة لتجنب الطرفين المواجهة وحرباً ملعونة قد تقضي على الأخضر واليابس في المنطقة، وها هي بعض من نتائج الحريق تظهر على جبين العالم من أزمة اقتصادية غير مسبوقة تتمثل في ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار الوقود وإفلاس الشركات وربما أن الأسوأ لم يأتِ بعد.
في الحقيقة، إن إدارة الرئيس ترامب مارست المراوغة والكذب في المفاوضات مع إيران، وكانت لكسب الوقت للتحضير للحرب، وفقط لإلهاء العالم بالمفاوضات ولو أرادت لأوقفت إسرائيل عن شن هجوم على إيران في حرب 12 يوماً، وهو ما أدى إلى تدخل الولايات المتحدة، ثم توقفت المفاوضات..هل حقاً كانت إدارة ترامب تسعى إلى مفاوضات جادة يتفق فيها الطرفان لتحقيق الأمن للجميع في المنطقة..لا؟ ثم بدأت إدارة ترامب الحرب الثانية في خضم مفاوضات كان الطرفان قد اقتربا فيها من الاتفاق.. علمت عُمان وأدركت، بل أدرك العالم، أن ترامب يتجه لشن حرب على إيران مستنداً إلى أسباب كاذبة وخادعة للرأي العام الأمريكي، والعالم يعرف ذلك، ولذلك قال له الأوروبيون: هذه ليست حربنا.
ذهب الوزير البوسعيدي إلى واشنطن في محاولة أخيرة لالتقاط الورقة التي قرر ترامب حرقها.. أجرى مقابلة مع قناة إعلامية أمريكية كما يفعل الكثيرون لإيصال رسائلهم للرأي العام الامريكي والمشرعين ومراكز الأبحاث والرأي وهي ليست جريمة كما يرى البعض فالإعلام الأمريكي يلعب دوراً مؤثرا في تشكيل قرارات الإدارة في واشنطن لما لها من تأثير على الرأي العام الأمريكي والكونغرس، لقد أوصل وزير الخارجية العماني الرسالة الصحيحة وهم غاضبون لأنهم يخشون أن يسمع الجميع حقيقة المفاوضات إلى أين وصلت فكانت الحقيقة أن الاتفاق بات في اليد ويحتاج توقيعا. تحدث وزير الخارجية بصدق وقال إننا نقترب من الاتفاق، والإيرانيون قدموا للإدارة الحالية ما لم يقدموه سابقاً.. لكن دعاة الحرب لم يعجبهم ذلك..لقد أرادوا الحرب على السلام، وما أرادته عمان هو السلام على الحرب والعدوان. لكن انحياز عمان مع السلام وضد الحرب فُسر بأنه انحيازاً عمانياً مع إيران، الصحيح أن الانحياز كان للسلام ودفع إدارة الرئيس عن خيار الحرب، وفي الخفاء كان نتنياهو يدفع بها، ورأى في ترامب فرصته الأخيرة بعد أن رفض الرؤساء الأمريكيون قبله ذلك، وهذا ما جنته المنطقة الآن، فالكل يصرخ منها ورمت الإدارة الحالية حلفاءها كلهم من الأوروبيين إلى الخليجيين خلفها وانحازت لنتنياهو.
عمان ليست سبباً لفشل الوساطة بل الإدارة الأمريكية وتأثير نتنياهو عليها. اذكروا لقد جرت مفاوضات بين البلدين، وفي كل مرة يتم الانقضاض عليها بسبب إسرائيل، وتصديق الإدارة الحالية لها، نعم، وهذا ما قالته عمان للولايات المتحدة: إن هذه ليست حربكم بل حرب إسرائيل في تخريب المفاوضات وأملها بالقضاء على النظام الإيراني كما تحلم بذلك. وبكل قوة المبادئ أدانت عمان الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. فيما لم يتجرأ الاخرون إدانتها حتى لا يغضبوا الرئيس ترمب.عمان لم تصمت ولم تصمت حتى تنال تصفيق ترامب بل أدانتها بقوة القانون الدولي.
علاقة عُمان بأمريكا لا تخضع لنزعات ترامب ومزاجه وتقلباته، فهي راسخة وتمتد لعقود طويلة كأول دولة عربية أقامت علاقات مع الولايات المتحدة من إمبراطورية عربية في الشرق إلى مشروع دولة عظمى في العالم وهي الولايات المتحدة، ولن تحتاج هذه العلاقة لمراجعة بسبب أن عُمان قالت للرئيس ترامب: لا للحرب، سيرحل الرئيس وإدارته الحالية وستأتي إدارة أخرى، فعلاقة عُمان مع الولايات المتحدة ليست رهينة لنوع الرئيس جمهورياً كان أم ديمقراطياً، ويعرف الساسة التقليديون في الولايات المتحدة ذلك وكذلك الآخرون.
كما أن علاقة عُمان بالولايات المتحدة، ليست مبنية على الربح والخسارة بل المصالح المشتركة والمبادئ ولن تخسر الولايات المتحدة كذلك صديقاً أو حليفاً ربما كعُمان في المنطقة، فعلاقة عُمان تقليدياً أكبر من عمر الرئيس ترامب وإدارته الحالية. هذه العلاقات لن تتأثر بتجاهل الإدارة الحالية لهذه العلاقة وجنوحها نحو خلق فوضى عارمة في المنطقة. تأكدوا أن علاقات عُمان بالولايات المتحدة ليست مبنية على وجود ترامب بل على حكماء أمريكا، هذا إن ترك لهم ترامب حكمة وعقلاً.