علي المطاعني يكتب: بداية نجاح التحول المؤسسي للطيران العماني

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠١/فبراير/٢٠٢٦ ١٣:٥٥ م
علي المطاعني يكتب: بداية نجاح التحول المؤسسي  للطيران العماني
علي بن راشد المطاعني

سياسات التحول في العالم تقوم على أهداف واضحة، وتتطلب وقتًا وتضحياتٍ تجعلها تسير بثبات نحو غاياتها المنشودة، وفي مقدمتها الاستدامة المالية والاقتصادية.

ولعلّ سياسات التحوّل في الطيران العُماني بدأت تؤتي ثمارها، في إطار سعيها إلى ترسيخ موقع الناقل الوطني في سوق طيران شديد المنافسة، حيث تُوّج هذا المسار في عام 2025م بنتائج إيجابية بلورت ملامح منهجية التحول، بعد أن نجح الطيران العماني في نقل أكثر من 5.8 مليون مسافر، بزيادة قدرها 8% مقارنة بعام 2024م، و57% مقارنة بعام 2022م، متجاوزًا بذلك معدلات النمو في السوق العالمي.

بل إنّ استحواذ القادمين إلى سلطنة عُمان على نسبة 64% من إجمالي الركاب يعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة التشغيل، ويعزز دور الناقل الوطني في تنشيط الحركة السياحية وتعظيم القيمة المحلية المضافة، الأمر الذي يبعث على الارتياح لهذا التحول الإيجابي نحو المسارات الصحيحة للشركات في عالم اليوم، والتي تجعل شركاتنا أكثر حضورًا محليًا وإقليميًا ودوليًا، بالتوازي مع إسهاماته الوطنية.

وإذا كان هذا الأداء يمثل بداية لحصاد نتائج التحول، فإن الطريق لا يزال يتطلب قدرًا من الصبر والفهم العميق لطبيعة هذا القطاع شديد الحساسية للتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتقنية. فجهود التحول المؤسسي، رغم ما بدأت تكشفه من مؤشرات إيجابية، تحتاج إلى وقت أطول لترسيخ آثارها، لا سيما في صناعة تتغير قواعدها بسرعة، وتواجه تحديات تشغيلية متصاعدة، ومقاومة طبيعية للتغيير داخل المؤسسات الكبيرة.

فالنجاحات التي تحققت جاءت نتيجة إعادة بناء شاملة لمنظومة التشغيل والإدارة والحوكمة، والانتقال التدريجي من نموذج "الناقل الخدمي" إلى مؤسسة تجارية تسعى إلى الاستدامة المالية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الدور الوطني الذي يضطلع به الطيران العُماني كحلقة وصل استراتيجية بين السلطنة والعالم.

وهذا التوازن الدقيق بين المسؤولية الوطنية ومتطلبات الربحية لم يكن خيارًا سهلًا؛ بل ضرورة فرضتها طبيعة المرحلة.

إن فلسفة التحول لم تقتصر فقط على ضبط المؤشرات المالية فحسب، بل امتدت إلى إعادة تعريف موقع الشركة في سوق الطيران العالمي، والالتزام بمعايير المنافسة الدولية، وبناء نموذج تشغيلي أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات. وهو ما يفسر التركيز على الرحلات المباشرة ذات الجدوى الاقتصادية، بدل التوسع الشكلي في عدد الوجهات دون عائد مستدام.

ولقد أسهمت إعادة هيكلة الرحلات الدولية في رفع الكفاءة التشغيلية والتوجه نحو وجهات سياحية أكثر ربحية واستدامة في حركة المسافرين، ولعل إعلانات الطيران العُماني عن وجهات دولية جديدة خلال الفترة الماضية دليل على أنه ماضٍ في التوسع في الوجهات المجدية اقتصاديا.

وفي ظل هذه التوجهات الهادفة إلى تعزيز الاستدامة المالية، يواصل الطيران العُماني أداء دوره الوطني في دعم الاقتصاد والسياحة، حيث تشير التقديرات إلى تحقيق قيمة مضافة تقارب 90 مليون ريال عُماني نتيجة زيادة أعداد القادمين مباشرة إلى السلطنة، وهذا الرقم يعكس الدور المتنامي للطيران العماني، ودلالة واضحة على أنه أصبح أداة اقتصادية فاعلة تسهم في تحريك قطاعات السياحة والفنادق والخدمات وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.

كما شكّل الانضمام إلى تحالف oneworld محطة استراتيجية فارقة في مسار التحول، إذ أتاح للطيران العُماني الوصول إلى شبكة عالمية تضم أكثر من 900 وجهة دولية، وعزز تنافسيته في الأسواق العالمية دون الدخول في توسعات تشغيلية مرتفعة الكلفة، وهو نموذج ذكي للنمو القائم على الشراكات لا على استنزاف الموارد.

وبالطبع، وكما أسلفنا سابقًا، فإن جهود التحول تتطلب مزيدًا من الوقت والجهد والتضحيات حتى تؤتي ثمارها كاملة، وهو ما يكرسه الطيران العُماني ويواصل العمل عليه بثبات.

نأمل أن تُكلَّل هذه الجهود بالنجاح، وأن تكتمل مسيرة التحول وفق الرؤية المرسومة لها، بما يعزز استدامة الطيران العُماني ماليًا وتشغيليًا، ويكرّس دوره كناقل وطني قادر على المنافسة إقليميًا وعالميًا، ومساهم فاعل في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز حضور سلطنة عُمان على خارطة الطيران العالمية.