

بقلم : سمعان كرم
في حديث وديّ مع شعبه، قال السلطان قابوس بن سعيد ، طيّب الله ثراه: «...الأفكار القديمة لدى الكثير في بعض الدول في العالم، هي أن الدولة تعمل كل شيء، والدولة تكفل كل حاجة، والدولة أن تدعم كل شيء، ما في دولة في العالم تستطيع أن تفعل هذا».
من اهم ميّزات النهضة المتجددة هو الأهتمام بالإقتصاد. ماذا تعني كلمة ’اقتصاد‘؟ في اللغات الاجنبية اسمها ايكونومي (Economy). أصل الكلمة يوناني مركّب من كلمتين. اويكو (Oiko) أي منزل أو بيت ونومن (Namen) وهي قانون أو نظام أو تنظيم. اذاً كلمة اقتصاد معناها تنظيم شؤون البيت.
صاحب العائلة يبني بيتاً وينظم شؤونه فيسعى دوماً أن يوازي بين متطلبات عائلته وبين مداخيله. عندما يكون اولاده لا يزالون قصارى يقوم هو بتكاليف إطعامهم وصحتهم وتربيتهم وعلمهم. وعندما يصلون إلى سنِّ العمل يبدأ الأولاد يبحثون أما عن وظيفة أو مهنة أو ريادة عملٍ ما، فتنتقل تدريجياً اليهم بعض المسؤوليات الإقتصادية أي المتعلقة بتنظيم شؤون البيت، من خلال حوارٍ دائمٍ بين الأب والأولاد لما فيه مصلحة واستدامة ذلك البيت. وكأن بينهم عقدٌ مجتمعيّ غير مكتوب ينظمون من خلاله شؤونهم.
ولا يختلف اقتصاد الوطن كثيراً عن اقتصاد العائلة، خصوصاً واننا ابناء هذا الوطن قد ادركنا سنّ العمل وصار علينا أن نعمل مع حكومتنا من خلال عقدٍ مجتمعيٍ غير مكتوبٍ ننظم من خلاله اقتصادنا.
خلال الخمسين سنة الفائتة ، عملَت الحكومة على تحسين صحة مواطنيها وتخليصهم من امراضٍ كانت متفشية، مثل شلل الأطفال وموتهم مبكراً، والتراخوما والملاريا. فقامت المستشفيات والمراكز الطبية تقدم العلاج واللقاح والأدوية حتى اضحت عمان بين احسن عشر دول في العالم من ناحية فعالية استعمال الموارد المتاحة للأغراض الطبية والنتائج المحققة. وأهتمت الحكومة بالتعليم والتربية وبنت المدارس والكليات والمعاهد والجامعات. وحاولت إيجاد وظائف لهم تؤمن سبل العيش الكريم والأمن الغذائي. ومن أجل الاقتصاد ونموّه نفّذت مشاريع البنية الاساسية في مختلف المجالات من توفيرٍ للخدمات والطرق والمواني والمطارات وانتاج الكهرباء والماء ومعالجة الصرف الصحي. كما وانها وضعت عمان عالياً بين دول العالم من خلال سياسة خارجية مرنة، منفتحة على العالم ومن خلال معاهدات واتفاقيات دولية.
هذه المراجعة وسرد الانجازات هدفها القول بأننا كأفرادٍ وكمجمتع متماسكٍ نشبه أفراد العائلة وحان وقت انتقال بعض المسؤوليات الاقتصادية من صاحب العائلة إلينا.
اين نبدأ في رحلتنا هذه؟ اولاً علينا أن نفهم لغة الإقتصاد ولغة ارقامه ومعنى مفرداته. نباشر بتعلَّمها في المدارس والجامعات والحياة اليومية خصوصاً بعض المؤشرات المعتمدة عالمياً : الناتج المحلي، نسبة النمو، الميزان التجاري، نسبة الباحثين عن عمل من القوى العاملة الوطنية، نسبة التضخم، التنويع الاقتصادي، الاستثمار المحلي والاجنبي المباشر. وقد يكون مؤشر نسبة النمو هو الأهم اذا أن نمو الاقتصاد يخلف نمواً في الوظائف بشكل خاص، بينما الوظائف لا تولد اقتصاد. من هنا وجب التركيز على المصدر، أي على الاقتصاد.
ثم ندخل بالحوار المجتمعي الدائم بين الأب وأولاده.. وهنا القطاع العام يكون بمثابة الأب وغرفة تجارة وصناعة عمان ومعها الجمعيات المهنية تكون بمثابة الأولاد. من المحاور في القطاع العام؟ توصي الرؤية 2040 أن تدير الملف الإقتصادي هيئةُ تضم وزارة الاقتصاد ، المالية، التجارة والصناعة، العمل، والإستثمار. تقر الهيئة رسمياً مايتفق عليه بينهم وبعد أن تتحاور مع القطاع الخاص. يصدر القرار حكومياً وينفذ وزارياً وليس العكس.
كيف نرفع نسبة النمو كمؤسسات وكأفراد؟ زيادة الانتاج كماً ونوعاً وتسويقه محلياً وعالمياً. أن لم ننتج سلعةً أو منتجاً أو خدمة ونسوِّقها فنبيعها، لن ينمو الإقتصاد. على الشركات أن تزيد انتاجها وتبتكر منتجات وتروجها بصورة دائمة. تقلل من تكلفتها وتزيد من جودتها فتنافس في الاسواق. تصدر القوانين والتشريعات التي تحفز الانتاج.
وزيادة الانتاج تنطبق على الأفراد كما على الشركات. فالعامل الغير منتج يُساعَد إلى أن يتحسن اداؤه وإن لم يتحسن يصرف من العمل. والمعدّة التي لاتنتج تبّدل والذي يطبع رسالةً يجب أن يطبع رسالتين والذي يستقبل سائحاً يستقبل اثنين والطالب الذي يراجع درسه ساعةً يجعلها ساعتين. في الصباح لانذهب إلى الدوام بل نذهب إلى العمل. الدوام ساعات والعمل انتاج.
وبالتفكير الإستراتيجي نشدد على الصناعة والسياحة واللوجستيات وهي ما ركَّز عليه برنامج «تنفيذ» قبل أن تضاف إلى مختبراته الثروة السمكية والتعدين.
لا نهضة أن لم ننهض جميعاً بالعمل والشغف به وبالعلم والمعرفة والابتكار ونخرج إلى العالم بثقة تدل علينا وعلى ماعندنا من خلال تسويقٍ وترويجٍ ذكيٍ.