موانئنا لا تستورد

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٧/أبريل/٢٠٢٠ ١٩:٥٧ م
موانئنا لا تستورد

بقلم: علي بن راشد المطاعني

في الوقت الذي كان القلق يساور الكثيرين حول الاستيراد غير المباشر عبر الموانئ الخارجية، وما يمثله ذلك من قلق على انسياب السلع والبضائع إلى البلاد في أوقات الطوارئ والمحن، كأزمة فيروس كورونا في الوقت الراهن على سبيل المثال، وأنَّ نسبة استيرادنا عبر المنافذ البرية التي تصل إلى 70 بالمائة قد تحرمنا من الأكل والشرب والملبس وكل الاحتياجات الأساسية للفرد والمجتمع، إلا أن أزمة فيروس كورونا غيّرت هذه المفاهيم وصحّحت الكثير من الممارسات والمفاهيم الخاطئة من خلال الاستيراد المباشر عبر الموانئ العمانية التي يمكننا من خلالها استيراد كل متطلباتنا من السلع والبضائع؛ لما تتمتع به من جاهزية وقدرة وإمكانيات وتسهيلات، ولارتباطها مع كل موانئ دول العالم، الأمر الذي يفرض على التجّار والمستوردين على وجه الخصوص استثمار هذه الجائحة في الاستيراد المباشر عبر موانئنا واستدامة الاستيراد والتصدير منها في كل الأوقات حتى بعد هذه الجائحة، واستثمار ما تقدمه الجهات المختصة من مزايا وحوافز وسهولة واختصار في الوقت والجهد، فضلا عن إثراء أسواقنا وتنمية الصناعات الوطنية التي تساهم في تحريك الجوانب التشغيلية التي تتطلبها حركة الاستيراد والتصدير.
فبلا شك أن ما نشهده هذه الأيام من استيراد مباشر من 86 ميناءً في 40 دولة في العالم، بواقع 200 رحلة أسبوعية للموانئ العمانية، جعل الكثيرين يصححون مفاهيمهم بأن الحكومة ليست هي الوحيده من يفعل حركة الاستيراد والتصدير وإنما يقع على عاتق التجّار والمستوردين والمصدرين في المقام الأول الاستفادة مما يتوفر من تسهيلات وحوافز لرفد السوق المحلي واعادة التصدير للاسواق الخارجية من خلال ادخال القيمة المضافة وعمليات التصنيع والذي بحد ذاته سوف يسهم في زيادة الصناعات العمانية وانعاش الاقتصاد الوطني وتحقيق رؤية الحكومة نحو تعزيز مصادر الدخل.
فاليوم يتم تخليص 90 بالمائة من البضائع خلال ساعة من وصولها الموانئ العمانية من خلال نظام "بيان" الذي يُدار من قِبل المديرية العامة للجمارك بشرطة عمان السلطانية التي تبذل جهودا كبيرة في هذا الشأن، إضافةً لتخليص ما نسبته 22 بالمائة من البضائع قبل وصولها الموانئ، فماذا يريد التاجر والمستورد أكثر من ذلك وهو مطمئن لبضائعه المستوردة في داخل بلاده دون أن تمر بمنافذ ودون رسوم جمركية وغيرها؟

فاليوم عندما نرى في أوج هذه الأزمة بأن الخضروات والفواكه تنخفض أسعارها نتيجة الاستيراد المباشر من دول المنشأ في الوقت الذي يُفترض أن ترتفع أسعارها، فذلك يشكّل دليلا ناصعا بأن الاستيراد المباشر أقل بما نسبته 20 بالمائة من الاستيراد غير المباشر، وهو ما انعكس على أسعار السلع والبضائع وخاصة المُستهلكة يوميا، وهو ما يجب أن يعيه التجّار والمستوردون بأن هذا الخيار أفضل في مثل هذه الظروف، فما بالك في الظروف العادية؟
ندرك بأن بعض التجّار له ارتباطات سابقة مع موانئ أخرى ولديه مخازن ولديها تعاملات مع شركات شحن وأمور أخرى التي قد يصعب الحديث عنها في هذه العجالة، ولكن الآن بعد هذه الأزمة اتضحت لهم الصورة أكثر من عمليات الإقناع والتسويق لهذه المرافق والتسهيلات التي بُذلت في السنوات الماضية مع مجتمع الأعمال لتشجيعهم على استخدام هذه الموانئ وما تتضمنه من جوانب محفّزة للجميع.
بالطبع الأزمات كالتي نعيشها موجعة كثيرا لكنها في المقابل تعلّمنا كثيرا، وتدلُّنا على الطرق والسبل الصحيحة وتصحح مفاهيم مغلوطة مترسّخة ومتراكمة من آخرين لهم مصالح بأن نبقى نستورد عبر منافذ الآخرين.
نأمل أن تكون هذه الأزمة محفّزة لرجال الأعمال والتجّار لاستخدام موانئنا والتسهيلات المتوفرة لهم من كل الجهات، ليس فقط في وقت الحاجة كهذه الأزمة وإنما دائما، وأن نتعظ أكثر من الدروس كهذه الجائحة؛ لتكون لنا نبراسا يضيء لنا معالم الطريق الصحيح الذي يجب أن نسلكه.