متى تعتمد الشركات على نفسها

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٤/فبراير/٢٠٢٠ ١١:١٠ ص
متى تعتمد الشركات على نفسها

علي المطاعني

في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها المنطقة والعالم والسلطنة جزء منه، وما نتج عن ذلك من تراجع للمشروعات الحكومية الإنمائية في السنوات الأخيرة التي تلت الأزمة المالية، فإن القطاع الخاص مطالب بأن يفكر خارج الصندوق في هذا الجانب وغيره، ولا يعتمد كثيرا على الإنفاق الحكومي الذي من الطبيعي أن يشهد هو الآخر تراجعا للعديد من الأسباب بعضها ليس مرتبطا بالأزمة المالية وإنما باكتمال البنية الأساسية أو معظمها في العديد من المجالات في محافظات السلطنة، وانعكاسات ذلك على الشركات والمؤسسات التي تعمل في قطاعات مختلفة وخاصة الإنشاءات والمقاولات التي عليها أن تبحث عن بدائل أكثر جدوى ومبادرات خلاقة توجد التوازن في إدارة العمل لديها وبما يضمن لها الاستمرارية بكفاءة عالية وتطور مستمر، وألا يغدو مصيرها معلقا بالإنفاق الحكومي إلى الأبد، الأمر الذي يجب أن يعيه مُلاك الشركات وأرباب الأعمال ليبادروا بطرح أفكار على الجهات الحكومية أو العمل على الاستثمار في القطاعات الأخرى كالسياحة عبر إنشاء الفنادق أو المجمعات السكنية وتأجيرها أو بيعها وتنويع أنشطتها بنحو يسهم في ديمومة استمرارها.

ندرك جميعا بأن القطاع الخاص في حقيقته صناعة حكومية بامتياز طيلة السنوات ال50 الفائتة، وهي الشراكة التي اعتمدتها الحكومة لبناء قطاع خاص ‏قادر على الإسهام في تعزيز التنمية من خلال إسناد المناقصات والمشروعات التنموية في العديد من القطاعات خاصة النقل والتربية والصحة وغيرها من القطاعات التنموية الهادفة إلى إيصال الخدمات الأساسية لمستحقيها في أرجاء البلاد.

إلا أنه وبعد اكتمال البنى الأساسية ونتيجة للأوضاع الاقتصادية الراهنة فمن الطبيعي أن تنخفض هذه أو تلك المشروعات وتحدث انعكاسات غير إيجابية على الشركات خاصة في قطاعات المقاولات والإنشاءات والكهرباء والمياه.
في الواقع إن شركات القطاع الخاص ‏في كل القطاعات جنت -واللهم لا حسد- أرباحا وأموالا طائلة في السنوات الفائتة من مشروعات حكومية وشبه حكومية وكونت رساميل كبيرة -ولله الحمد، ونالت من الدولة الأراضي والتسهيلات، غير أنها للأسف (نامت على العسل)، ولم تسخّر هذه الثروات في تنويع مصادر عملها وابتكار مشروعات وإيجاد بدائل لأنشطتها في المجالات الخدمية والإنشائية وفي مجالات المقاولات والنفط، وذلك رغم المعالجات الحكومية لأوضاع الكثير من الشركات وتوزيع المناقصات للمشروعات الحكومية وغيرها من جهود إنقاذ بعض الشركات من الانهيار الحتمي والإفلاس عبر مدها بمشروعات وتسوية أوضاعها المالية.

غير أنه وفي المقابل فإن الحكومة لديها أولويات أهم من معالجة أوضاع هذه الشركة أو تلك، ولديها مسؤوليات أكبر تجاه مواطنيها أكثر من الشركات التي عليها أن تعمل بجد أكثر لتعزيز إمكانياتها وتنويع أنشطتها الاقتصادية لتضمن عبرها توفر ترياق البقاء في سوق لا رحمة فيه للمتقاعسين أو المعتمدين كليا على أمهم الرؤوم لتطعمهم حتى بعد أن بلغوا سن الرشد.

بالطبع هناك مجموعات اقتصادية أدركت ذلك، وعملت بفاعلية لتواكب التطورات عبر تطوير الأعمال باستمرار وابتكار المزيد من الأنشطة حتى التعليمية منها استثمرت فيها. هذه المجموعات الفاعلة أو الشركات هي الأحق بالبقاء، وإذ هي تتابع وتدرك المتغيرات، وتعمل على الاستفادة من الفرص المتاحة، فإذا تأثر قطاع نتيجة لاكتمال البنى الأساسية أو حدث نقص في المشاريع الإنمانية أو احتدت المنافسة في أي قطاع، نجدها وعلى الفور لديها البدائل في مجالات عمل أخرى أو Businessآخر تعمل به وهكذا، في حين نجد أن شركات النقيض كما هي محلك سر تشكو لطوب الأرض سوء حالها وسواد آمالها.

الجانب الآخر والمتاح هو الاندماج بين شركات المقاولات والخدمات لتشكيل شركات أكبر، لتتكامل بعد ذلك وتتعاضد لإنشاء مشروعات عملاقة، وتدخل في قطاعات أخرى أكثر استدامة وديمومة كالسياحة والصحة والتعليم الخ..، وتطرح مبادرات على الحكومة انعتاقا من العكس الذي كان عبر أفكار قابلة للتطبيق لفائدتها الواضحة في القطاعات الحيوية آنفة الذكر وبصيغة تبادل المنافع والمحامد، فبدون هذه الديناميكية من القطاع الخاص وتقمص روح التجديد والابتكار الخلاق فإن شركاته ستخرج من السوق مرغمة وخالية الوفاض.

نأمل من‏ أرباب العمل تقليل الاعتماد على الحكومة للأسباب الموضوعية التي أشرنا إليها، والعمل على تقمص روح التجديد والابتكار بغرض ضخ المزيد من دماء البقاء في أوصال شركاتهم الآيلة للسقوط حتما وحكما مؤكدا إن هم بقوا على ذات المنوال.