تجارة سوداء لتعليم الأطفال

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/أكتوبر/٢٠١٩ ١١:٤٣ ص
تجارة سوداء لتعليم الأطفال

علي المطاعني

يجمع العالم على أن التعليم ما قبل المدرسي يعد الأساس الذي تُشيد عليه المنظومة التعليمية بكل ضخامتها واتساعها، والركيزة الأولى لبناء شخصية الطفل، وما يصاحب ذلك من خطورة وحساسية في التعاطي مع أبنائنا في تلك المرحلة، وخاصة في عصرنا هذا، والتي تتطلب تعاملا خاصا وعناية تعليمية فائقة، لذا لا يمكن أبدا قبول أن يتم التعامل في هذه المرحلة في سلطنتنا الغالية مع تعليم أو رعاية الأطفال كتجارة بحته، كمجرد مصدر لجني الأرباح، أو مختبر للتجارب.

فخلافا لما هو معروف وسائد في هذا الصدد فإن (مراكز تنمية المهارات الذهنية) تمارس أنشطة التعليم ما قبل المدرسي، دون أي مظلة تربوية أو اجتماعية تشرف عليها أو تراقب أداؤها للأسف، وذلك يعد مخالفة واضحة للمادة الثانية من المرسوم السلطاني السامي رقم: 68/‏ 1977م، والتي حصرت الإشراف على المدارس الخاصة في البلاد ضمن مسؤولية وزارة التربية والتعليم، فهي الجهة المشرفة والمسؤولة، بداية من إصدار التراخيص والإشراف عليها بجميع أنواعها ومستوياتها، واتضح ذلك جليا في عام 2008م عندما تم صدر قرار من مجلس الوزراء يقضي بتبعية التعليم ما قبل المدرسي لوزارة التربية والتعليم.

وعلى الرغم من الغاء وزارة التجارة والصناعة هذا النشاط (مراكز تنمية المهارات الذهنية)، وتحديدها لـ (10) مسميات تعليمية وتدريبية وتأهيلية وتربوية بديلة عن هذا النشاط، واعلانها لأصحاب تلك المراكز بالتوجه لتوفيق أوضاعهم عبر اختيار إحدى تلك الأنشطة المرخصة المعتمدة من الوزارة ومن غيرها من الوزارات ذات العلاقة، إلا أن بعض هذه المراكز مازالت تمارس نشاطها بدون اشراف أي مظلة تربوية او اجتماعية كغيرها في السلطنة التي تشرف عليهما وزارة التنمية الاجتماعية والتربية والتعليم.

إنها قضية شديدة الخطورة خاصة أنها تتعامل مع أبناء المستقبل، لذا لا يمكننا بالتالي المهادنة في مثل هذا الأمر الجلل، فقانون الطفل العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم: 22/‏ 2014م بمواده المختلفة قد تم انتهاكه وبنحو صارخ في هذه القضية وبدون أن تنبري الجهات المسؤولة للتصدي لتلك الظاهرة، ولم تقم لجان حماية حقوق الطفل المنتشرة في المحافظات بدورها في التصدي لهذا الخطأ الجسيم.

ومازال بعض أطفال السلطنة الأبرياء في هذه المراكز وغيرها من الكيانات المنتشرة في السلطنة يلقنون تعليما عشوائيا غير مرخص وغير مراقب وغير مقيم حسب النظم والقوانين التربوية التعليمية في البلاد، لذلك يعتبر حتما ما يتلقونه لا يسهم في النهوض بقدراتهم، بل تؤدي إلى تلويث مهاراتهم الذهنية والعقلية لعدم وجود أي جهة رسمية قد أجازت تلك المناهج أو أشرفت عليها، ولم تختبر أو تجيز (المعلمين والمعلمات) العاملين في تلك المؤسسات علميا ومهنيا كغيرهم في المؤسسات التربوية العاملة في التعليم ما قبل المدرسي في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث تمارس بعض الشركات أعمال تعليمية وتربوية بدون اشراف أو رقابة.

ولا ندري على وجه الدقة عدد المراكز ولا عدد الأطفال الذين يتعرضون لهذه القرصنة التعليمية والتربوية، ونظرا لعدم إشراف وزارة التربية والتعليم والجهات الأخرى المعنية بالتربية والتعليم كمجلس التعليم وغيره فإن الاحتمالات مفتوحه على كل الممارسات الخاطئة وذلك لعدم تسجليهم في البوابة التعليمية ولم يقدم بهم كشوفا للوزارة وليسوا خاضعين لها أصلا.

إن وجود مراكز غير منظمة تقدم خدمات تربوية بدون أي إحصائيات أو توقعات بالأعداد من الطبيعي أن يؤدي إلى نقص حاد في العدد المسجل في رياض الأطفال ومدارس التعليم الخاص وبنسب عالية غير محسوب لها حساب، وإلى صعوبة توفير المقاعد أو النقل لهم في المدارس الحكومية. ولذلك أثره الواضح على مدخلات الطلبة في مدارس التعليم الخاص، والذي يتمثل في صعوبة استمرار بعض المدارس الخاصة في تقديم رسالتها نظرا للمنافسة الغير شريفه من قبل المراكز والكيانات العشوائية الغير مرخصة ومن الطبيعي أن يؤثر على بيئة الاستثمار في قطاع التعليم الخاص والتي يتحمل مسؤولية تدريس ما يربوا بكثير على (100) ألف طالب وطالبة، وهي بذلك تحمل عبئا كبيرا عن الحكومة في تدريس تلك الأعداد، إلا أن وجود مراكز غير مرخصة تعليما وتربويا سيؤثر على مستقبل الاستثمار في التعليم الذي تسعى الحكومة إلى تعزيزه.

وما هو معروف ولا يحتاج لإعادة تذكير هو أن الحضانات ورياض الأطفال والمدارس الخاصة تخضع لنظم ولوائح ولها جهات معروفة تشرف عليها وفق معايير وضوابط واشتراطات دقيقة إضافة لتقييم دوري مستمر متفاوت الصرامة يصل إلى فرض غرامات وإغلاق للمخالفين لتلك القوانين، إلا أن كل هذه الاشتراطات لم تمر على تلك المراكز والكيانات ولم تخضع لها في سابقة هي الأولى من نوعها على الإطلاق، والصادم والمؤلم هو أن هناك المئات من هذه المراكز منتشرة في ولايات السلطنة وبعضها لها فروع تصل الى 30 فرعا وتعلن وتسوق لنفسه جهارا وبكل الوسائل الإعلانية والإعلامية عن بدء العام الدراسي كل عام، كأنها رياض أطفال أو مدارس خاصة، في حين هي تمارس التعليم في السوق السوداء.

فهذه المراكز نشأت تحت مسميات مراكز وليست حضانات أو رياض أطفال للهروب من الإشراف الفني والاشتراطات التربوية والتعليمية او حضانات تلزمها وزارة التنمية الاجتماعية بضوابط معروفة وتراقبها، وأولياء الأمور يظنون أنها تحت مظلة التربية والتعليم، أو التنمية الاجتماعية، بسبب تقديمها خدمات لأطفال مرحلة التعليم ما قبل المدرس، في حين أنها غير ذلك جملة وتفصيلا مما يتطلب التحرك بسرعة لضبط هده الممارسات الخاطئة في حق أطفالنا.

إن حقوق الطفل مسألة في غاية الأهمية تبدأ بتوفير التعليم الجيد والمرخص من الجهات المختصة، وكل ما يقدم غير ذلك يغدو مخالفا ومنتهكا لحقوقه الواردة في القانون ويتوجب على جهات الاختصاص متابعة ذلك وإحالة المراكز المخالفة للادعاء العام لإجراء اللازم، فمثل هذه الممارسات لا مجال أبدا للمماطلة والتسويف في اتخاذ قرار بشأنها، تحت أي ظرف.

نامل أن نرى قريبا الحقيقة كاملة وناصع بياضها، وأن نرى إجابات على الأسئلة التي ستظل حائرة حول كيف لمراكز وكيانات عشوائية غير مرخصة بل وألغي نشاطها منذ ما يقارب ثلاثة أعوام أن تمارس عملها ونشاطها وبكل ثقة واطمئنان، دون رادع أو محاسب. إن مستقبل هذا الوطن يكمن في أبنائه، وأي مشكلة تؤثر عليهم لا تقبل أنصاف الحلول أصلا، فبناء أي دولة يبدأ من تعاملها الجاد مع السياسات والتشريعات الموضوعة بدءا من هذه الشريحة التي تبقى في عرف المشرعين اللبنة الأولى لتأسيس دولة متقدمة ومتماسكة ومنتجة.