
دانيال
كلير
يمكن للحركة الداعمة لتمويل المشاريع الصديقة للبيئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تنظر إلى ما جرى خلال الأشهر القليلة الأخيرة ببعض الارتياح. ففي شهر يوليو، قام كل من سوق دبي المال ومركز دبي المالي العالمي بإطلاق مجموعة عمل دبي للتمويل المستدام، التي ستشهد تكاتف الشركات والمؤسسات المالية الإقليمية للعمل معاً لإنشاء مركز للتمويل المستدام في المنطقة. ويأتي هذا بعد توقيع إعلان أبو ظبي للتمويل المستدام في وقت سابق هذا العام، عندما قامت 25 شركة وهيئة خاصة وحكومية بالتعهد بتسهيل التدفقات الاستثمارية نحو دعم مشاريع هدفها الإستدامة وحماية البيئة. وبنك HSBC هو أحد المؤسسات المالية الموقعة على هاتين المبادرتين الهامتين.
ولا شك ان التقدم الحاصل بشأن الحد من زيادة درجات الحرارة العالمية إلى درجتين هو امر مرحب به ولكنه هذه الجهود هي مجرد خطوات أولى في رحلة طويلة.
وتقدر الحاجة للإنفاق على مشاريع البنية الأساسية الجديدة بـ 100 تريليون دولار أمريكي (ما يعادل 38 تريليون ريالـ عماني ) بحلول عام 2030 وذلك للتحول إلى اقتصاد منخفض انبعاثات الكربون والبقاء على خطى أهداف اتفاقية باريس . إلا أنه لا يمكن للحكومات والهيئات التنظيمية القيام بذلك بمفردها.
فيجب على البنوك والمستثمرين وجهات إصدار السندات المشاركة بشكل كبير في معالجة قضايا التغير المناخي. ونحن لا نقوم بما يكفي من العمل في هذا المضمار حتى الآن.
ولقد زاد وعي القطاع المالي بقضايا الاستثمارات المتعلقة بالبيئة والاستدامة بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. كما شهدنا الكثير من صفقات الإصدار الجديرة بالاهتمام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، مثل قيام شركة «ماجد الفطيم»، بإدراج أول صكوك خضراء مرجعية مؤسسية على مستوى العالم والتي تمت إدارتها من قبل بنك HSBC. ومع ذلك، فإن سرعة النشاط العالمي في مجال إصدار السندات الخضراء لا تزال بطيئة - حيث نما إصدار السندات الخضراء بنسبة 3 في المائة من عام 2017 إلى عام 2018، وبقيمة إجمالية قدرها 167.6 مليار دولار أمريكي (64.5 مليار ريالـ عماني ) بنهاية العام. وبلغ إجمالي إصدار سندات التمويل المستدام 247 مليار دولار أمريكي (95 مليار ريالـ عماني) في عام 2018 . وتبدو هذه الأرقام كبيرة ولكنها ليست كافية للتأثير في مشكلة تغير المناخ.
ما الذي يمكن فعله لإحداث التغيير المطلوب؟ أولاً، نحن بحاجة لأن نعزز ثقتنا بأعمال التمويل في المجالات المتعلقة بالبيئة والاستدامة. فالعائدات على منتجات سندات التمويل الخضراء عادةً ما تكون مساوية أو حتى أكثر من تلك التي توفرها منتجات التمويل التقليدية المكافئة.
كما أننا بحاجة إلى نقل سندات التمويل الخضراء من موقعها الحالي للمنافسة بشكل أفضل، تماماً كما يحدث في السياسة. ففي كثير من الأحيان، نرى أن الاستثمارات المتعلقة بالبيئة يتم تحويلها إلى عمليات تمويل فرعية أصغر. وقد يقوم المجتمع الاستثماري بالتباهي من خلال الحديث عن مشاريع محددة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن هذا لن يحقق أبداً الحد الأدنى المطلوب من حجم الاستثمارات التي نحتاجها.
ويعتمد مستقبلنا على تغيير نظرتنا تجاه المشروعات المستدامة وعدم اعتبارها حالة فريدة أو خاصة أو غير مألوفة. فنحن بحاجة لجعلها ممارسة طبيعية وتقليص حصة المشاريع ذات الانبعاثات الكثيفة للكربون لأكبر قدر ممكن.
إن أي زيادة في الطلب يجب أن يقابلها زيادة في العرض. وهنا سيواجه المستثمرون مشكلة - ما هي المشاريع التي تعتبر مستدامة بحق؟ ما هي العوامل التي يجب عليهم أخذها في الاعتبار عند تقييم المنتجات التي تعتبر نفسها ملائمة للبيئة؟ وكيف يمكن لهم أن يثقوا بغاياتها المرجوة؟ حيث أن الافتقار للثقة قد ساهم حتى الآن في تحجم استيعاب المستثمرين للاستثمار في السندات الخضراء والتمويل المستدام.
وهنا يتوجب على جهات إصدار السندات أن تلعب دورها من خلال تحسين مستويات الإفصاح. وقد لا يكون المصطلح مثيراً بشكل خاص، ولكن الإفصاح قد يكون العامل الرئيسي لإظهار القوة الحقيقية للتمويل المستدام.
فالإفصاح الصحيح يزود المستثمرين بالمزيد من المعلومات عن المخاطر المرتبطة بهذه السندات أو المشاريع عندما يقررون تخصيص أموالهم للاستثمار فيها.
لقد قام بنك HSBC بالعمل بشكل وثيق إلى جانب المؤسسات المالية الأخرى ضمن فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية للمشاريع المتعلقة بالمناخ (TCFD)، والذي قام بتطوير معيار للإفصاح الطوعي لإصدار السندات الخضراء والتمويل المستدام. ولقد التزم حتى الآن أكثر من 340 مستثمرا ممن تقدر قيمة أصولهم المدارة بنحو 34 تريليون دولار أمريكي (13 تريليون ريالـ عماني) تقريباً بالتعامل مع المؤسسات المصدرة للسندات والاستفادة من توصيات فريق العمل المعني بالإفصاح المالي للمشاريع المتعلقة بالمناح. وهذا العدد بحاجة لأن أن يكون أعلى من ذلك بكثير.
ومع تحسن مستويات الإفصاح المالي، سيصبح المستثمرون أكثر ثقة من ناحية سلامة مشروعات التمويل المتعلقة بالبيئة والتنمية المستدامة، مما يزيد الطلب على المزيد من صفقات الإصدار. ونحن بدورنا ندعم الإفصاح الطوعي ، ولكن الوقت المتبقي المتاح أمام القطاع لإظهار الاهتمام بالمشاركة بمثل هذه الصفقات قليل جدً لإثبات إمكانية النجاح. وإلا فإن هذه المشاركة سوف تصبح إلزامية. وإذا قررت الجهات التنظيمية المضي قدماً في هذا المسار، فينبغي علينا أن نكون حذرين للغاية في بناء معيار ثابت على المستوى الدولي.
وتأتي الخطوة الأخيرة لتعيدنا إلى أهمية دور الفرد في المجتمع، حيث أننا بحاجة لتعزيز العلاقة بين المستخدمين لجميع الخدمات المالية اليومية – مثل القروض العقارية والتأمين وصناديق التقاعد والتمويل المستدام.
فيمكن للأفراد في العديد من البلدان اختيار التعامل مع شركات تزويد الطاقة الكهربائية التي تقوم بإنتاج طاقتهم من مصادر الطاقة المتجددة بالكامل. ويجب أن يكون هناك نفس القدر من الحرية بالنسبة للمستثمرين للاختيار بين منتجات التجزئة والمنتجات المالية الأخرى. وهذا بدوره، يؤدي في نهاية المطاف إلى المزيد من الإفصاح، حيث نلحظ أن اهتمام المستثمرين بالسندات الخضراء والتمويل المستدام يزداد بشكل أكبر مع الوقت، ويجب علينا ضمان حصولهم على كافة المعلومات الصحيحة حتى يتمكنوا من اتخاذ القرارات المالية التي تتماشى مع مبادئهم الشخصية.
وفي حال توصلنا إلى حل المشكلة المتعلقة بالتغيرات المناخية والبيئية، فلن يتم ذلك إلا من خلال إجراء تغييرات تدريجية لا حصر لها في شتى مجالات حياتنا. فالقطاع المالي في وضع فريد يمكنه من المساعدة في تحقيق ذلك. كما أن مجال أعمالنا يغطي كافة الشرائح الاقتصادية والمجتمعية، فهو يشمل الحكومات والمؤسسات والشركات والمواطنين من الأفراد، وبالتالي قادر على توجيه التدفقات النقدية من جميع أنحاء العالم إلى الأماكن الصحيحة. ويجب علينا مواجهة التحديات الماثلة أمامنا، وأن نفتح أبوابنا بشكل أكبر للمشاركة في المشاريع المتعلقة بالبيئة وإصدار السندات الخضراء والتمويل المستدام.
رئيس شؤون التمويل المستدام، لدى مجموعة HSBC