زنجبار.. الجنة التي أحرقتها صناديق الانتخاب

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٩/أغسطس/٢٠١٩ ١٥:٣٠ م
زنجبار.. الجنة التي أحرقتها صناديق الانتخاب

نصر البوسعيدي

زنجبار ملاذ كل الساعين للفرح والحياة والتعايش في ظل حكم عماني سلطاني متزن قاده تحديدا السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي حينما جعلها عاصمة عُمان بعد مسقط في إمبراطورية كتبت في التاريخ أمجاد التسامح والتعايش والعدالة بين الجميع.

أحب أهل زنجبار السيد سعيد لتواضعه ولترسيخه مبدأ التعايش بين الطوائف والأديان فكان منذ بداية إعلانه زنجبار عاصمة لعمان قد حرص كل الحرص على إرساء القوانين والنظام لسير الحياة في هذه الجزيرة الهانئة بالهدوء، ورغم كل ما تم إثارته في قضايا كثيرة للوجود العماني العربي في زنجبار إلا أن تمازج وتزاوج الأهالي مع العمانيين والعرب خير شاهد على عمق العلاقات بين الجميع ولسنوات طويلة، بل إن العديد من سلاطين أفراد العائلة الحاكمة أنفسهم ومن حكموا كانوا من أمهات السكان الأصليين للبلاد.

وعن هذا التعايش بشكل عام تقول الكاتبة والرحالة Genesta Hamilton: (إن العرب عاشوا في الساحل الجنوبي الشرقي لأفريقيا منذ ألفي عام، وكانت سياستهم ناجحة في حكم الأفارقة، حيث أن الأفارقة عاشوا معهم وقتا آمنا وحاربوا بجوارهم ولم يفكروا يوما ما أن يقفوا ضدهم أو أن يحكموا أنفسهم، وكان أبناؤهم يذهبون إلى مدارس المساجد ورضوا بالإسلام دينا والذي علمهم أن الجميع سواسية أمام الله حتى في الصلاة والأعمال وأصبحوا جزءا من الدم العربي).

وحينما انقسمت الإمبراطورية العمانية للأسف عام 1861م نتيجة صراع أبناء السيد سعيد على السلطة بعد وفاته بين ثويني سلطان عُمان التي تعاني من مشاكل اقتصادية وصراعات داخلية وخارجية مريرة، وماجد سلطان زنجبار الثرية بدأ الضعف يدب بين السلاطين أنفسهم وبالتالي قوتهم لتذهب كل جهود والدهم المؤسس أدراج الرياح بتحكيم بريطاني فصلت فيه زنجبار برضا الشقيقين عن عُمان.

وهذا هو الحال الذي استمرت عليه زنجبار مع تدفق هجرات عمانية كثيرة إليها للاستثمار بمزارعها وتجارتها وطلب الرزق والعيش بهدوء بعيد عن صعوبة الحياة في عُمان والخليج بشكل عام.

لذا فإن زنجبار تحديدا أصبحت في زمن السلاطين العمانيين أندلس العرب بكل ما يحمله هذا التشبيه من معنى، وأصبحت في تطورها تسابق نيويورك والعديد من العواصم الأوروبية بفضل تقدمها، مع وجود طبقة من العلماء والشعراء والمثقفين القادمين من عُمان للعيش فيها والمساهمة في نهضتها. ولكن كل هذا النعيم لم يستمر وذلك بسبب تزايد الأطماع الأوروبية الاستعمارية في المنطقة العربية والأفريقية خاصة الاطماع الإنجليزية التي استحوذت على جل النفوذ في الخليج العربي والهند وشرق أفريقيا برفقة الفرنسيين والهولنديين والألمان والطليان.

ولأن السيد سعيد بن سلطان كان أبرز حاكم عربي يملك امبراطورية ضخمة سارعت جميع الدول لعقد الاتفاقيات التجارية والسياسية معه وهو التاجر والدبلوماسي المحنك الذي كان دائما ما يبحث عن الاستثمارات الاقتصادية التي تدر لدولته وشعبه كل الخير، ولأن البريطانيين كانوا من أوائل القوى التي استثمرت هذه العلاقات فقد أصبحت من أكثر الدول الأجنبية قربا من سلاطين عُمان وممتلكاتهم، وكانت معاهدات الصداقة التي تجمعهم نتيجة المصالح المشتركة قوية للغاية، لذا نجد أن الإنجليز وكحليف استراتيجي كانت لديهم الكلمة العليا عن بقية الدول الأوروبية في عُمان وشرق أفريقيا مثلما اسلفت، بل أشرفوا بشكل مباشر في إنهاء الكثير من النزاعات وإشعال غيرها من ناحية أخرى حسب مقتضيات مصالحهم.

وفي أفريقيا استحوذت بريطانيا عل زمام الأمور في زنجبار وتوابعها، وأخذت تتغلغل في القرارات السياسية المتعلقة كذلك بكيفية الحكم، وتوجت كل ذلك بإعلانها بأن زنجبار محمية بريطانية رسميا في عام 1890م.

لم يستكين العمانيون مع شعب زنجبار لهذا الوضع بل أن أغلبهم كانوا يطالبون في كل مناسبة بالاستقلال عن الإنجليز والذين كانوا يعلمون تماما بأن الجنس العربي يشكل خطرا فادحا على جميع مصالحهم في حال تنامي نزعة الاستقلال الفعلي، ولذا فقد حاولت الإدارة الإنجليزية خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار ضد الوجود العربي بخطة محكمة مغلفة بأماني الديمقراطية وانتخاب الحكومة التي ستتولى زمام الأمر بعد الاستقلال.

فكانت البداية أن سمح الإنجليز بتأسيس الجمعيات العرقية في زنجبار فتم تأسيس الجمعية العربية عام 1924م، وتأسست في المقابل الجمعية الهندية عام 1934م، وتلاها مباشرة تأسيس الاتحاد الافريقي الزنجباري عام 1934م، ومن بعدهم تم تأسيس الجمعية الشيرازية عام 1939م وينتمي لها أبناء زنجبار السواحلية الملقبين بالشيرازيين.
وهنا بدأ مرض الانقسام العرقي يفوح بين الجميع، فكل جمعية أصبحت تشكل ضغط على الآخر لتقديم مصالحها ومصالح أتباعها وطائفتها، مع تعمد بريطانيا من إعطاء الجنس العربي كل الأفضلية عن البقية، مما تسبب ذلك في زيادة وتيرة الكراهية بين العرب من ناحية وبين الأفارقة والهنود من ناحية أخرى، وهنا حاول العمانيون والعرب من مطالبة الحكومة البريطانية بالإصلاحات الفورية بعدم الاستمرار في هذا التمايز العرقي والذي جلب لهم مزيدا من الكراهية، ولكن كل مطالبهم كانت دون جدوى.

ففي الحرب العالمية الثانية كمثال، كانت السلطات الإنجليزية تقوم بتوزيع الطعام الجيد من الأرز وغيره للعرب والهنود في زنجبار، بينما كانوا يخصصون وجبات القمح فقط للأفارقة، كما أنهم عمدوا في زيادة رواتب العرب عن غيرهم من الأفارقة الذين يعملون بنفس الوظائف، لتتراكم كل الأحقاد العنصرية أكثر وأكثر، ولم يكتفوا بذلك بل عمدوا حينما أسسوا المجلس التشريعي في البلاد بتكريس الطائفية من حيث عدم المساواة في المقاعد لتمثيل المجلس فكان النصيب الأكبر والمستحوذ للهنود والعرب، وليس من الأفارقة!

حاول العماني الشيخ علي بن محسن البرواني عضو الجمعية العربية من انقاذ الموقف وهو يرى أن اللحمة الوطنية الزنجبارية تذهب للحضيض، فأخذ بعاتقه ومن خلال مقالاته الصحفية بجريدة الفلق والمرشد والزنجباري بالدعوة للقضاء على الطائفية وسياسة بريطانيا العنصرية، وتسبب ذلك بمقاطعة الجمعية العربية للمجلس التشريعي الذي استمر في تكريس العنصرية بالمجتمع.

وبدأت مظاهر الاحتجاجات العنصرية ضد العرب من جانب العمال الأفارقة الذين شكلوا اضرابا عام 1948م للمطالبة بمساواتهم مع العرب في الحقوق، وبدأت المناوشات تزداد حدة والإدارة الإنجليزية بخبث تمارس تمثيلية إرساء هذه الحقوق ضد العرب ومن ناحية أخرى تقوم بدعم وتكريس مكانتهم وتمييزهم عن الأفارقة!

شكل العمانيون والعرب في ظل كل هذه الاضطرابات ما يسمى بالحزب الوطني لدعوة المجتمع الزنجباري للوحدة ونبذ العنصرية، وكادت محاولاتهم أن تنجح في نشر تهدأت الأمور، ولكن بريطانيا شجعت الأفارقة بتشكيل حزب خاص بهم يسمى بالحزب الأفروشيرازي سنة 1957م، والذي يضم المهاجرين من البر الأفريقي (تنجانيقا) وأبناء زنجبار السواحليين، من أجل منافسة الحزب الوطني والسير بتعصب نحو محاربة الجنس العربي من أجل تحقيق أهدافهم الرئيسية في انهاء النفوذ العماني خاصة والعربي عامة.

وما بين عام 1957م، إلى عام 1959م حاول العماني علي بن محسن البرواني ومن معه من الحزب الوطني بالسير نحو المصالحة الوطنية مع الحزب الأفروشيرازي الذي كان بقيادة عبيد كارومي، ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل في المؤتمر الدستوري الأول المنعقد في لندن.

واختصارا للأحداث وسعيا من الإنجليز بعدم انحياز العمانيون والعرب لجمال عبدالناصر بعد الإستقلال، فقد كانوا يمارسون الاعيبهم العرقية أطول فترة ممكنة قبل أن يعلنوا رسميا انتهاء سلطتهم بالبلاد مع دعمها لكل متطلبات حزب الأفروشيرازي وعنصريته.

وفي كل مرة تتم فيها الانتخابات للمجلس التشريعي منذ عام 1957م يزداد الشتات والتباغض العرقي بين جميع الأطياف في زنجبار فانتصار المتنافسين على بعضهم كان يتحول إلى انتصار عنصري خطير ففي ذلك العام أي 1957م، انتصر الحزب الأفروشيرازي على الحزب الوطني الذي مني بخسارة فادحة حينما لم يضفر باي مقعد بالبرلمان ليصبح العداء أكبر حينما قاطع جميع المنتمين للحزب الأفروشيرازي التعامل تجاريا مع المنتمين للحزب الوطني على وجه الخصوص من ما ترتب عليه إفلاس الكثير من العرب نتيجة المقاطعة، لتصبح ردة فعل البعض تسريح العمال الأفارقة من المزارع المملوكة للعرب كردة فعل من بعض القلة، ليزداد الوضع سوءا، وهذا ما تجلى في 17 يناير من عام 1961م حينما تمت الانتخابات التشريعية للمرة الثالثة وتفادى الحزب الوطني هذه المرة أخطاءه السابقة واستمال بأعماله الخيرة وأهدافه النبيلة بنبذ الطائفية الكثير من الأهالي ليسجل انتصارا صادما بعدد المقاعد التي نالها حيث حصل على 9 مقاعد من أصل 22 مقعدا، والبقية ذهبت من نصيب الحزب الأفروشيرازي الذي حصل على 10 مقاعد، ومعه حزب الشعب الذي حصل على 3 مقاعد، وبذلك لم يستطيع أي حزب تشكيل الحكومة!

فكانت المقترحات لتشكيل حكومة تضم أعضاء من الأحزاب الثلاثة ولكن قائد حزب المعارضة عبيد كارومي رفض ذلك وشكك أساسا بصحة الانتخابات، وهنا منحت السلطة الإنجليزية المهلة لكل حزب ليستميل معه حزب الشعب ويفوز بالأكثرية لحسم تشكيل الحكومة، ففشل كارومي من اقناع محمد شامتي رئيس حزب الشعب الذي فضل الانضمام إلى جانب الحزب الوطني، ولكن من ناحية أخرى استطاع كارومي من أغراء أحد الفائزين بمقعد حزب الشعب واسمه عثمان شريف للانضمام معهم مما تسبب باستحالة تشكيل الحكومة مرة أخرى نتيجة تعادل مقاعد الحزب الوطني أمام الحزب الأفروشيرازي!

ليتم مرة أخرى إقرار إعادة الانتخابات تحت اشراف بريطاني بالحكومة المؤقتة، وهنا اتفق الحزب الوطني مع حزب الشعب لتوحيد كلمتهم في الانتخابات ضد الحزب المنافس الأفروشيرازي الذي أخذ أفراده بعد علمهم بذلك بإثارة الشغب ومهاجمة أتباع منافسيهم والاعتداء عليهم أمام صناديق الاقتراع لتتحول كل تلك الاشتباكات الدموية إلى فوضى عارمة قتل من خلالها تعصبا 68 شخصا أغلبهم واكثرهم من العرب، بل وصل الحال بأن قام أتباع الحزب الأفروشيرازي باقتحام منازل العرب وقتلهم ونهبهم، مما خلف حالة من الرعب على إثرها هرب الكثير من منازلهم.

في هذه الفوضى هرب مجموعة من أطفال العرب والعمانيين من كانوا على مقاعد الدراسة ليحتموا مع أستاذهم علي محسن الشيرازي والذي أخذهم وطمئنهم ليخفيهم بتنور بالقرب من إحدى المزارع، وهناك وبسبب حقده الدفين قام بسكب البنزين في أجسادهم ليحرقهم دون أي رحمة لصرخاتهم البريئة التي لم تستمر طويلا أمام لهيب النيران،
وقد استطاع طفل واحد فقط النجاة والفرار وإخبار الأهالي بما فعله ها المجرم والذي في الأخير خرج براءة بعد محاكمة هزلية لم يتم فيها الأخذ بشهادة الطفل لعدم بلوغه سن الرشد!

بعد تلك الأحداث الدموية تدخلت الشرطة لإيقاف نزيف الاضطرابات العرقية فتم إلقاء القبض على 1400 شخصا وجميعهم تم تبرأتهم ما عدا شخص واحد أدين بالقتل!
ورغم ذلك تشكلت حكومة تولي المسؤولية للمنتصرين في الانتخابات (الحزب الوطني وحزب الشعب) وتم تعين محمد شامتي رئيسا للوزراء وهو من أهل زنجبار وقد دعمه العمانيون ليدحضوا الفتنة ويخبروا الجميع بأن الأساس هو التعايش والوحدة الوطنية لا التعصبات العرقية.

واخذت هذه الحكومة بالعمل على الإسراع نحو الإستقلال الذي تم الاتفاق عليه مع الإنجليز سنة 1963م وتحديد في اليوم التاسع من ديسمبر.

قبل أيام الإستقلال طالب حزب المعارضة (الأفروشيرازي) بإجراء انتخابات جديدة تشمل الرؤى المستقبلية ما بعد الإستقلال لكل حزب ليتفق الجميع على إجراء انتخابات رابعة ورفع عدد المقاعد إلى 31 مقعدا من أصل 23 مقعد.

تمت الانتخابات تحت حراسة عسكرية مشددة في عام 1963م، لينتصر مرة أخرة الحزب الوطني متحدا مع حزب الشعب وينالوا 18 مقعدا مقابل 13 مقعد للحزب الأفروشيرازي المعارض، والذي انضم إليه بعض المنشقين من الحزب الوطني بقيادة عبدالرحمن بابو الذي أرتكب فيما بعد أفظع الجرائم بحق العمانيين والعرب وزملائه السابقين.

بعد هذا اتفقت الأحزاب الثلاثة في وضع النظام الدستوري للبلاد من خلال الاجتماع في لندن، مع تأكيد موعد الإستقلال الذي أشرنا له سابقا.

اعتقد العرب في الحزب الوطني والمنضمين إليهم من حزب الشعب بأن الأمور انتهت بسلام، ولكن كانت الأوضاع مع عبيد كارومي ومن معه مختلفة تماما، فقد خططوا بدعم من تنجانيقا وبجانب الصهاينة الانقلاب على الحكومة الشرعية حاملين معهم شعار تطهير زنجبار عرقيا من العرب وإنهاء حكمهم نهائيا بالإطاحة بهم وبسلطانهم السيد جمشيد بن عبدالله البوسعيدي، ليتفاجأ الجميع في يوم 12 من يناير المشؤوم من عام 1964م، بهجمات الانقلابين المسلحة على العرب وبالأخص العمانيين بأشنع الوسائل الوحشية البدائية، فقتلوا الآلاف ومثلوا بالجثث واغتصبوا النساء وأحرقوا العائلات ليقدر عدد الضحايا في ذلك اليوم الأسود أكثر من 19 ألف قتيل في ظل صمت دولي مخجل لم يجرم فيها المجتمع الدولي هؤلاء السفاحين، بل أن عبيد كارومي نفسه حكم البلاد بعد المذبحة وبعد نزوح السلطان جمشيد وعائلته إلى إنجلترا، ليسقط الحكم العربي نهائيا في زنجبار التي تشربت أرضها بدماء شهدائنا.

المراجع:
1. زنجبار شخصيات وأحداث (1828 – 1972م)، ناصر بن عبدالله الريامي، الطبـــــعة الثـــــالثة 2016م، بيت الغشام للصحافة والنشــــر والترجمة والإعلان – مؤسسة التكوين للخدمات التعليمية والتطوير – سلطنة عُمان – مسقط.
2. الحركة الوطنية في زنجبار، د.صالح محروس محمد، مكتبة بيروت – سلطنة عُمان – مسقط – 2019.