
بقلم - أحمد المرشد
يطيب لي في مثل الوقت من كل عام أن اكتب عن ثورة 23 يوليو المجيدة، فهي باقية أبد الدهر لن تمحي من الذاكرة مهما فعل الحاقدون والشامتون، فهو ثورة بمعناها الحقيقي أقامت الدنيا ولم تقعدها وقتها ويكفي أنها كانت ملهمة لكل شعوب العالم قاطبة للتحرر من الاستعمار والانعتاق من الرجعية والتخلف، فقائدها العظيم الراحل جمال عبد الناصر الذي أبى على نفسه الخلود الى الراحة والسكينة قررالوقوف الى جانب الشعوب المظلومة ضد قوى الاستعمار والنهب والاستغلال، فكان ملهما وأصبح زعيما عالميا بدون أن يسعى لذلك ولكن الأقدار هي التي دفعته للعب هذا الدورالمحوري آنذاك. إنها ثورة 23 التي ما أن تأتي ذكراها السنوية حتي تأتي التحليلات والتقديرات والمعلومات التي تكشف لأول مرة عن تداعياتها وأثارها مصريا،وعربيا، وإقليميا، وعالميا، فالثورة لم ولن تنتهي حتي وإن وري صاحبها تحت الثري، فهو يعيش بيننا ويظل حيا فينا ما حيينا، فمنه نستلهم العبر والدلالات،ومن رحلة كفاحه نخرج بدروس تعينناعلى التعامل مع قضايانا الإقليمية الحالية.
لقد كـُتبت عشرات الآلاف من المقالات والتحليلات عن ثورة ناصر ومئات الكتب عنها، ولم لا؟..فناصر نفسه لم يكن مجرد شخصية عادية، بل شخصية محورية غيرت مجرى التاريخ في مصروالمنطقة العربية والإقليم والعالم، فهو الذي جسد شخصية مصر وقتها فكان ضمير بلاده وصوتها وإرادتها، وكان ناصر الجسد الحي للتاريخ لأن هذا التاريخ انشغل به طويلا وسيظل مشغولا ومهموما بانجازاته وأفعاله حتى وإن تخللها بعض الانكسارات ولكنه انتصر عليها وتجاوزها بشجاعة يحسد عليها الأبطال، ويكفي ناصر أنه شغل قادة العالم وقتها ومنه الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور الذي أعياه تفكيره في استمالة هذا الزعيم الذي شغل الدنيا كلها، فقال الرئيس الأمريكي عنه:» أريد أن أفهم كيف استطاع عبد الناصر أن يلهب حماسة جماهير جاهلة في الشرق الأوسط ضدنا على هذا النحو، أريد معرفة أكثر عما يسمونه(القومية العربية)»..ونترك إيزنهاور الى خلفه ليندون جونسون الذي عبر عن غضبه الشديد من السياسة المصرية التي ينتهجها ناصر الذي وصفه بأنه»ديك رومي يمشي مختالا بنفسه في منطقة الشرق الأوسط»، ولعل جونسون لم يوفق تماما في هذا الوصف لأن ناصرلم يكن مختالا بنفسه ولكنه كان قويا يفهم مدركات الأمور وتوابعها، ثم أنه – أي ناصر- لم يكن يملك منطقة الشرق الأوسط فقط وإنما شغل الدنيا كلها بشرقها وغربها. ولهذا لم يكن أمام جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الأشهر على مدي التاريخ – الذي لم يقف معه في هذه الصفة سوي هنريكيسنجر – سوي التعبير عن كم غضبه من جمال عبد الناصر وسياساته وأفكاره التي شلت الأمريكيين والأوروبيين بقوله:» ليس أمامنا سوى أن نضع أمامه شكائر الرمل لتعيقه عن التقدم الى المواقع التي ننوي السيطرة عليها.
هذه العبارة الأخيرة لدالاس تكشف لنا مدى غضب الغرب والأمريكان من ناصروسياساته وكيف وقف مدافعا عن حقوق الشعوب ضد الاستعمار القديم (الفرنسي والبريطاني )والحديث (الأمريكي)، فناصر كان الباعث لنهضة الشعوب والدول من سبات التخلف الناجم عن الاستعمار الغاشم، وهو الذي بعث الروح في مصروغيرها من البلدان، وهو الضمير الحي الذي لا يموت للأمم، ولهذا نري كل القوي الاستعمارية وقد تكالبت عليه وتآمرت ضده لعرقلة مسيرة مصروالمنطقة في عصره، فما كان أمامهم سوي القيام بفعلين، الأول العدوان الثلاثي أو حرب السويس كما يعرفها الغرب، ثم حرب 1967 التي قادهاالأمريكيون وغيرهم انتقاما من ناصرفي محاولة لتركيعه واخضاعه لسياساتهم وأهوائهم وثنيه عن التقدم والرقي بمصر لتكون في مصاف الدول المتقدمة، بعد أن بعث فيها الروح والنشاط والانتاج الزراعي والصناعي وكاد يبلغ درجة تصنيع السلاح في مصر.
إن قيمة جمال الناصر ستبقي خالدة طوال ما بقي التاريخ، فهو كان تجسيدا حيا لمصر في فترة مهمة في تاريخها،وجسد تاريخ العرب وإفريقيا ودول أمريكا اللاتينية، ورغم هذه القيمة فلم يكن ناصر من نوعية الزعماء الذين يتحدثون أمام شعوبهم عن أحلام وأوهام صعب تحقيقها، بل كان زعيما طالب شعبه بالعمل وبذل المزيد من الجهد للتقدم من أجل كتابة مستقبل باهر له يليق بهم وبحقهم في الحياة التي يستحقونها، وفي ذكري ثورة 23 يوليو المجيدة وباعثها وملهما لا نقول مات جمال عبد الناصر بل عاش جمال عبد الناصر الذي نزل الي شعبه مواطنا بسيطا يعرف عاداته وظروفه.
كاتب ومحلل سياسي بحريني