قواعد جديدة للتضخم

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٤/يوليو/٢٠١٩ ١٥:٢٢ م
قواعد جديدة للتضخم

بقلم - مايكل هايس

يمثل التغيير المقبل لقيادات البنك المركزي الأوروبي فرصة ــ إن لم يكن التزاما ــ لمراجعة إطار سياسات البنك. بوسع البنك المركزي الأوروبي أن ينسب لنفسه الفضل في الإنجازات الكبرى التي تحققت خلال رئاسة ماريو دراجي ــ وأكثرها أهمية تثبيت استقرار منطقة اليورو خلال الأزمة المالية العالمية في الفترة 2007-2008 وإنهاء التكهنات حول انهيار العملة الموحدة المحتمل خلال أزمة الديون السيادية في عام 2012. لكن استراتيجية البنك المركزي الأوروبي المتمثلة في توجيه تضخم أسعار المستهلك كانت أقل نجاحا إلى حد كبير.

يبدو أن العلاقة العكسية التقليدية بين والتضخم، كما يعرضها منحنى فيليبس، انهارت أو أصبحت على الأقل أضعف كثيرا. علاوة على ذلك، لا يُعَد التضخم المنخفض على نحو مستمر ــ أو «تراجع التضخم» ــ ظاهرة تنفرد بها منطقة اليورو، ومن المرجح أن تعكس اتجاهات اقتصادية أعرض، مثل تغير ديناميكيات الأجور والأسعار، بسبب عولمة أسواق العمل والمنتجات. فقد انضم مئات الملايين من العمال في آسيا وأوروبا الشرقية إلى قوة العمل العالمية في العقود الأخيرة، في حين يواصل التقدم في مجالات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي تعطيل نماذج الأعمال القائمة.

بوسع البنك الاوروبي أن يجمع بين هدف التضخم في الأمد المتوسط وبين تعريف أوسع ربما يضم الأسعار الاستهلاكية الأساسية (باستثناء الطاقة)، جنبا إلى جنب مع مقاييسه المفضلة لتوقعات التضخم. وبالتالي، يحظى صناع السياسات في البنك المركزي الأوروبي بقدر أكبر من المرونة في قبول ما يزيد أو يقل عن هدف التضخم، إذا اقتضت الظروف (على سبيل المثال، في حال حدوث صدمات أسعار السلع الأساسية).وقد تساعد المرونة الأكبر البنك المركزي الأوروبي أيضا على استيعاب المقايضات السياسية بين التضخم والاستقرار المالي. وينبغي للبنوك المركزية أن تحاول تخفيف حدة الدورة المالية عن طريق العمل ضد الاتجاه أثناء طفرات الازدهار وتخفيف السياسات في فترات التقلب والخوف. لقد أثبت التاريخ مرارا وتكرارا أن الفقاعات المالية التي تتغذى على الدين تفضي إلى البؤس الاقتصادي والاجتماعي بمجرد انفجارها. ورغم أن رفع طاس المشروب في حين لا يزال الحفل مستمرا تصرف ما كان ليحظى بأي شعبية، فهناك الكثير من الأدلة التي تؤكد أنه من خلال منع أعباء الديون البغيضة، يفضي تلطيف الدورة المالية إلى النمو الطويل الأجل. ويبدو أن «مبدأ جرينسبان» المتمثل في التنظيف بعد انفجار الفقاعة فقد شعبيته منذ تسببت الأزمة المالية العالمية في إزالة الملايين من الوظائف ومحو المليارات من المدخرات.في الوقت الحالي، يواجه البنك المركزي الأوروبي تراكما معقولا للمخاطر المالية في منطقة اليورو. صحيح أن بحث المستثمرين عن العائد يعمل على ضغط علاوة المخاطر على سندات الشركات، والقروض، وإلى حد ما على الأسهم، فإن أسعار العقارات ارتفعت بشكل كبير أيضا. لكن الزيادة التي طرأت على خوض المخاطر لم تكن حتى الآن مصحوبة بزيادة كبيرة في الديون الخاصة. علاوة على ذلك، كانت أسعار الأصول المالية عُرضة على نحو متكرر للتأثر بالشكوك السياسية المرتبطة بالحروب التجارية أو خطر الخروج البريطاني الصعب من الاتحاد الأوروبي.على الرغم من أن هذه التطورات تشير إلى أن البنك المركزي الأوروبي لا يحتاج بشكل عاجل إلى تشديد السياسة النقدية، فينبغي للبنك أن يتوخى الحذر من تخفيفها بشكل أكبر في محاولة لزيادة التضخم، الذي يبلغ حاليا 1.7%. ويكاد يكون من المؤكد أن التدابير المتخذة للتعجيل بالتوسع الائتماني ــ عن طريق أسعار الفائدة السلبية أو عمليات إعادة التمويل الموجهة، على سبيل المثال ــ من شأنها أن تؤدي إلى نشوء فقاعات جديدة في الأسواق المالية في المستقبل. وعلى هذا، ينبغي للبنك المركزي الأوروبي أن يفكر في تبني استراتيجية ذات شقين تركز على أسعار المستهلك وتخفيف حدة الدورات المالية على نحو منهجي منتظم.الواقع أن البنك المركزي الذي يخطئ هدف التضخم على نحو مستمر لفترة طويلة يجازف بخسارة مصداقيته، وربما يشعر بأنه مضطر إلى تبني سياسات صارمة و»القيام بكل ما يلزم» لاستعادة ثقة السوق. ولكي يتسنى له تقليص الحاجة إلى اتخاذ تدابير صارمة، ينبغي لرئيس البنك المركزي الأوروبي القادم أن يضغط في اتجاه الاستعاضة عن هدف التضخم الضيق نسبيا الذي يتبناه البنك بنطاق مستهدف أوسع.

كبير الخبراء الاقتصاديين في Allianz SE ومؤلف كتاب «الخروج من أزمة الديون الأوروبية: جعل العملة الموحدة تعمل»