طريق الصين

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٩/يونيو/٢٠١٩ ٠٧:٣٥ ص
طريق الصين

براهما تشيلاني

ان الذكرى الثلاثين لحادثة ميدان تيانانمين والتي حصدت أرواح 10000شخص على اقل تقدير هي ذكرى مهمة لعدة أسباب.

أولا، ان الهجوم على المظاهرات التي كان يقودها الطلبة ما تزال فصلا مظلما ومخفيا في الطرح الشيوعي الصيني.

ثانيا، ان التشدد الذي استخدمته القوات الصينية ضد المظاهرات لم يستمر منذ الحادثة فحسب بل اصبح أكثر منهجية وتعقيدا وفعالية علما ان ميزانية الامن الداخلي الصيني تتجاوز الان رسميا الانفاق الدفاعي الصيني الضخم ولكن في الوقت نفسه فإن التعويل على القوة يبعث برسالة مشؤومة للحزب الشيوعي الصني نفسه.
لقد قامت السلطات الصينية خلال ليلة الهجوم بتاريخ 3-4 يونيو 1989 بسحق المحتجين المؤيدين للديمقراطية بإستخدام الدبابات والرشاشات.
أما في اوروبا الشرقية فإن الاندفاع نحو الديمقراطية أدى الى سقوط جدار برلين بعد ذلك التاريخ بخمسة اشهر فقط مما بشر بنهاية الحرب الباردة ولكن الغرب تراجع عن الابقاء على عقوباته ضد الصين في اعقاب تيانانمين مما مهد الطريق للصعود الدراماتيكي للصين.
ان الغرب لم يتستر على الهجوم فحسب، بل تجاهل كذلك التجاوزات اللاحقة وممارستها التجارية غير العادلة.
لقد عبَّر الرئيس الامريكي دونالد ترامب مؤخرا عن مشاعر الحسرة عندما اشار الى كيفية مساهمة الولايات المتحدة الامريكية بالصعود الصيني وكيف انها قد انتجت «وحشا» حيث قال:» لقد استغلتنا الصين لسنوات عديدة ونحن نتحمل اللوم على ذلك وانا لا الومهم فأنا لا الوم الرئيس الصيني تشي جينبينغ بل الوم جميع رؤسائنا وليس فقط الرئيس اوباما.
لو رجعنا بالزمن الى الوزراء سنجد ان كلينتون وجورج بوش الابن والجميع سمحوا لذلك بأن يحدث فلقد أنتجوا وحشا وحشا».لكن بعد فترة ازدهار طويلة لاحقا فإن الصين – اضخم واقوى واغنى دولة في العالم واكثرها تقدما من الناحية التقنية- تدخل فترة من الغموض بينما تحتفل بفترة قياسية من الحكم الشيوعي تمتد لسبعين عاما (أطول فترة لنظام في العصر الحديث علما ان الاتحاد السوفياتي تمكن من البقاء لمدة 69 سنة).ان هناك العديد من المناسبات سنة 2019 مما يجعل هذه السنة سنة حساسة سياسيا.
لقد كانت مظاهرات الطلبة ضد الاستعمار الغربي في ميدان تاينانمين في الرابع من مايو سنة 1919 بمثابة نقطة تحول حيث كانت مصدر الهام للاحتجاجات في الميدان نفسه سنة 1989 ولكن بينما قام تشي بتفخيم حركة مايو الرابعة في خطابه بمناسبة الذكرى المئوية لتلك المناسبة فإن تشي والحزب الشوعي الصيني يشعرون بالتوتر من ذكرى تيانانمين.
تحل في هذه السنة كذلك الذكرى الستين للانتفاضة الفاشلة في التبت ضد الحكومة الصينية كما تحل الذكرى العاشرة لمظاهرات الايغور التي أدت لمقتل المئات في منطقة شينيانغ والتي يتم فيها الان سجن اكثر من مليون مسلم وذلك كجزء من الجهود التي اطلقها تشي «لتطهير» عقولهم من الفكر المتطرف ولاحقا لذلك وبالتحديد في الاول من اكتوبر فإن جمهورية الصين الشعبية ستحتفل بالذكرى السبعين لانشاءها.
لكن ذكرى حملة تيانانمين سنة 1989 هي الذكرى التي تنطوي على التهديد الاكبر لاستمرار احتكار الحزب الشيوعي للسلطة فالحادثة حصلت لأن الحزب اعتمد على القوة منذ انشائه بما في ذلك من اجل الاستيلاء على السلطة وخلال حكم مؤسس جمهورية الصين الشعبية ماوتسي تونغ فقد عشرات الملايين من الناس حياتهم خلال ما يطلق عليه بالقفزة العظيمة للامام والثورة الثقافية وغيرها من الكوارث التي حدثت برعاية الدولة وتخطيطها.
لقد كان ادولف هتلر مسؤولا عن مقتل حوالي 11-12 مليون مدني وجوزيف ستالين عن ستة ملايين على الاقل ولكن ماو بحوالي 42,5 مليون شخص هو البطل بلا منازع لحصد لقب جزار القرن العشرين علما ان حكمه الذي كان قائما على سفك الدماء ألهم خليفته دينغ كيساوبينغ والذي أمر بالهجوم على متظاهري تيانانمين.
إن بقاء الحزب الشيوعي الصيني في السلطة لا يعكس رغبته في استخدام القوة فحسب بل ايضا مهارته في «تشويه الحقائق» باستخدام الدعاية والتشديد على المعارضة ولكن الى متى يمكن لأقدم دولة ذات حكم مركزي قوي بالعالم الاستمرار في استدامة نفسها؟ ان تشي بتخليه عن القيادة الجماعية والخلافة المنظمة قد قوَّض بالفعل المؤسساتية التي جعلت الصين في حقبة ما بعد ماو صامدة في وجه قوى التغيير والتي ساعدت في تفكيك الامبراطورية السوفياتية.
يبدو ان التاريخ كان يسير الى حد كبير لمصلحة الصين الى أن قرر تشي التحول الى الشمولية فلقد كان الاقتصاد الصيني في مرحلة ازدهار وكانت السيطرة الصينية في بحر الصين الجنوبي تتوسع بشكل مطرد كما كانت مبادرة الحزام والطريق لمشاريع البنية الأساسية العابرة للحدود تسير بشكل سلس ولكن الصين تواجه الان رياحا عكسية دولية قوية في وقت تباطأ فيه اقتصادها بشكل ملموس.
ان الدول الشريكة في مبادرة الحزام والطريق تشعر بقلق متزايد من ان تعلق في فخ الديون التي تحد من السيادة.
ان عمليات التأثير الصينية في البلدان الديمقراطية –وحصان طروادة المتمثل في معاهد كونفوشيوس في الجامعات الاجنبية- تواجه حاليا مقاومة متزايدة والأهم من ذلك كله هو التحول الكبير في السياسة الامريكية تجاه الصين خلال فترة حكم ترامب وهو التحول الذي يغير المشهد الجيوسياسي لحكومة تشي.
في الوقت نفسه فإن مخاطر الصين الاقتصادية المتزايدة – مثل ارتفاع الدين الحكومي المحلي وارتفاع الرسوم الجمركية التجارية الامريكية والمقاومة الغربية للتوسع التقني الصيني وممارساتها التجارية والاستثمارية – قد زادت من مخاوف الحزب الشيوعي الصيني المتعلقة بالاضطرابات الاجتماعية.ان رسوم ترامب الجمركية والتي تشجع بعض الشركات المتعددة الجنسيات على نقل الانتاج من الصين الى فيتنام وماليزيا واندونيسيا وغيرها تزيد من شعور الحزب بالقلق.
نتيجة لذلك فإن مشاعر الانتصار الصينية المبالغ بها قد توقفت كما حذَّر تشي بإن بلاده تواجه مخاطر جديدة كبيرة في البلاد وخارجها والتي يمكن ان تتصاعد وتؤدي الى حدوث اضطرابات.
يخشى الحزب الشوعي الصيني ان يواجه نفس مصير نظيره السوفياتي وخاصة لو فشل في منع احداث صغيرة من التوسع لتصبح تحديا كبيرة لسلطتة وهذا يفسَّر تركيز تشي على تطبيق الإنضباط اللينيني الصارم.
ان ذكرى حادثة ميدان تيانانمين تذكرنا بأن الطريق السهل الذي سلكته الصين عالميا خلال الثلاثين سنة الفائتة قد انتهى كما ان هذه الذكرى هي بمثابة تحذير للحزب الشيوعي الصيني بإن اعتماده المستمر على القوة لإخضاع المواطنين الصينيين قد يتركه في كومة رماد التاريخ في نهاية المطاف.

أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز مقره نيودلهي لأبحاث السياسات وزميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين