القوة العاملة الأمريكية

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٤/مايو/٢٠١٩ ١٤:٢٤ م
القوة العاملة الأمريكية

لورا تايسون ليني ميندونكا

مع أن معدل الباحثين عن عمل ومعدل مطالباتهم تراجعت في الوقت الراهن إلى أقل مستوى منذ عام 1969، لا زال الاقتصاد الأمريكي يواجه تحديات متعلقة بسوق الشغل لا يمكن تجاهلها.

وأبرز هذه التحديات هو التراجع الطويل الأمد لمعدل مشاركة القوة العاملة الأمريكية - العامل الرئيسي في النمو في المستقبل. وفي أواخر الستينيات من القرن الفائت، شارك 97% من جميع الرجال في سن العمل (25-54) في القوة العاملة، لكن مع حلول عام 2018 تراجعت مشاركتهم بنسبة 89%، نتيجة لانخفاض نسبة مشاركة الرجال الذين لا يتوفرون على شهادات جامعية.

وتختلف التوجهات في الولايات المتحدة الأمريكية عن غيرها في الاقتصادات الصناعية المتقدمة الأخرى.
مثلا، عن طريق استعمال مجموعات تشمل فئات عمرية أوسع (15-64)، استقر معدل مشاركة الرجال في القوة العاملة في كندا والمملكة المتحدة بعد تراجعه في الفترة ما بين 1990 و2000، بينما تراجع أكثر في الولايات المتحدة الأمريكية.
والتراجعات لا تختلف فقط حسب الجنس والعمر، بل أيضا باختلاف المستوى التعليمي والموقع الجغرافي، لتعكس عوامل مختلفة، بما في ذلك ظروف الاقتصاد الكلي، والتشغيل الآلي، والحبس وإدمان الأفيون.
استنتجت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن إدمان الأفيون هو أحد العوامل وراء تراجع مشاركة الرجل في اليد العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالفعل، تبين الأبحاث التي أجريت مؤخرا أن ارتفاع معدلات العلاجات الأفيونية في الفترة ما بين 1999 و2015 قد تكون المسؤولة عن نسبة 43% من تراجع المشاركة في القوة العاملة في صفوف الذكور في سن عمل مبكرة. وما يعقد مشكلة توفير اليد العاملة الأمريكية هو الاختلافات بين العامل القروي والعالم الحضري. نظرا لكون فئة كبيرة من أرباب عمل المؤسسات يعيشون في المدن، فإن هذه الأخيرة غالبا ما تعرف معدلات منخفضة من الباحثين عن عمل، ونمو ديمغرافي قوي (خاصة وسط الفئات الأصغر سنا)، وبالمقابل، تعرف العديد من المدن الصغيرة والمناطق القروية، شيخوخة السكان، وتعرف أكثر من نصف مقاطعات الولايات المتحدة الأمريكية، تراجعا في ساكنتها. وفي الفترة ما بين 1963 و2017، ارتفعت نسبة الموظفين الأمريكيين الحاملين للشهادات الجامعية من 12% إلى 39%، وتراجع العمال من حاملي شهادات المرحلة الإعدادية أو أقل منها من 75% إلى 33%. لكن الفئة الأخيرة تعاني من معدلات مرتفعة من الباحثين عن عمل، ونسب منخفضة من المشاركة في القوة العاملة، وأجور منخفضة مقارنة مع نظرائهم الأكثر تعليما. وبينما تراجع الفارق بين العالم القروي والعالم الحضري فيما يتعلق بإتمام المرحلة الإعدادية، يزداد الفارق بينهما فيما يخص إتمام المرحلة الجامعية.
بالإضافة إلى أنه بخصوص معدلات التخرج من المدرسة الإعدادية والجامعة، يحتل الطلبة ذوي الأصول اللاتينية، والأمريكيون من أصول أفريقية، والأمريكيون الأصليون، و الأمريكيون المنحدرون من ألاسكا مراتبا متأخرة جدا وراء نظرائهم الأسيويين و ذوي البشرة البيضاء. وانطلاقا من هذه الاختلافات الديمغرافية، تشير تقديرات بنك الاحتياط الفيدرالي لريتش موند أنه عن طريق استهداف النساء، والعمال الذين لا يحملون شهادات جامعية، والأمريكيين القاطنين بالوسط القروي، ستتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من إضافة أكثر من 18 مليون شخص إلى القوة العاملة.
مثلا، إذا رفعت الولايات المتحدة الأمريكية من نسبة مشاركة المرأة إلى مستوى نظيرتها في كندا (حيث يسهل على المرأة العمل بالدوام نظرا لاجازة الولادة المدفوعة الأجر، وخدمات الرعاية للطفل الميسورة التكلفة، والاستفادة من الضرائب والقروض بالنسبة للأسر ومقدمي الرعاية)، فستوفر الولايات المتحدة الأمريكية 5,2 مليون عامل إضافي.
و يبلغ معدل الباحثين عن عمل وسط المتخرجين من المرحلة الإعدادية ما يقارب ضعف نظيره وسط المتخرجين من الجامعات. إلا أنه مع حلول عام 2025، ستتطلب ثلثي جميع مناصب الشغل مستوى تعليمي أعلى من المرحلة الإعدادية.
ووفقا لمركز التعليم والقوة العاملة في جامعة جورج تاون، ستواجه الولايات المتحدة الأمريكية نقصا في القوة العاملة بمعدل خمسة مليون عامل مع حلول العام المقبل. وأخيرا، عن طريق الرفع من معدل العمال في سن مبكرة في المناطق القروية لتصل إلى مستوى المناطق العاصمية الكبرى، ستتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من إضافة 3,5 مليون شخص إلى القوى العاملة. لكن هذا سيتطلب اتصالا واسع النطاق وتعليما ميسور التكلفة يستجيب لمتطلبات التكنولوجيا ، بالإضافة إلى المزيد من فرص التطوير المهني.
قد لا يكون دونالد ترامب راضيا على هذا، لكن الولايات المتحدة الأمريكية ستحتاج إلى المزيد من الهجرة غير الشرعية. إن الدور الحيوي الذي سيضطلع به المهاجرون في نمو الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل لا يمكن أن يكون مبالغا فيه. إذ في السنة المالية ما بين 2017 و2018، عرفت 10% من مقاطعات الولايات المتحدة الأمريكية نموا ديمغرافيا بسبب الهجرة. والشرط الآخر للاستجابة لمتطلبات سوق الشغل في المستقبل هو إعادة التأهيل.
إذ بما أن التشغيل الآلي أصبح جزءا مهما من النمو الاقتصادي، سيصبح العمال الذين يمارسون الأعمال اليدوية الروتينية وهؤلاء الذين يشغلون وظائف فكرية أكثر عرضة للفصل عن العمل.
وسيكون ضروريا وضع برامج التأمين الاجتماعي لمساعدتهم في اكتساب مؤهلات جديدة، ويجب أن تكون الامتيازات القائمة متنقلة لترافق العمال من عمل إلى عمل. ويقدم برنامج سنغافورة لمستقبل المؤهلات نموذجا جيدا، يعطي لكل مواطن الحق في برامج إعادة تأهيل فردية، وترفع من قروض الضرائب والمكاسب الأخرى التي يحصل عليها العمال عند تقدمهم في العمر.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يمكن لصناع السياسة بجميع مستوياتهم مساعدة العمال والشركات على حد السواء، عن طريق تقديم قروض ضريبية للاستثمار في تدريب الموظفين، ودعم التطوير المهني الابتكاري وبرامج تدريبية.
وفي كاليفورنيا مثلا، يطور الحاكم غافين نيوسوم (الذي يستشير ليني ميندونكا) استراتيجية شاملة لتحسين مهارات القوة العاملة المتنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتتوقع الإدارة وضع نظام تعليمي يهيئ إلى عام الشغل، وسيقدم هذا النظام عامين من الدراسة بالمجان في جامعة المجتمع الحر، و 500000 فترة تدريبية تحمل شعار «تعلم واربح» مع حلول عام 2029.
إن الأمر لا يتعلق فقط ب»مستقبل العمل»، بل بمستقبل الأشخاص وسبل عيشهم.
وأنجع وسيلة لتعزيز النمو، وسد الفوارق، وتوفير رفاهية كبيرة للجميع هي تطوير المهارات التي يحتاجها سوق الشغل في القرن الواحد والعشرين.
لورا تايسون: الرئيسة السابقة لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس باراك أوباما

ليني ميندونكا: المدير السابق لماكينزي آند كومباني