علي بن راشد المطاعني
ما نشهده اليوم في وسائل الشتم الإلكترونية إن جاز لنا التعبير، وما يصاحبها من ممارسات باتت تعرف بـ «التنمر الإلكتروني»، صيغة محدثة أعلنت عن نفسها بقوة، والتنمر لغة هو التتبع أو التصيد وما يصاحبه من مضايقات، تحدث هذه الحالات في سن المراهقة بين أطفال المدارس والأحياء السكينة عندما يتحلق أصدقاء على طفل في سنهم ويضايقونه إلى حد يدفعه دفعا لكره المدرسة أو يصاب بالاكتئاب، فاليوم ما نشهده في وسائل التواصل الاجتماعي هو التنمر بمفهومة الدقيق المحدث، الفرق بينهما هو أن التنمر في وسائل التواصل الاجتماعي افتراضي غير أنه قاتل؛ فالضحية، وهو في الغالب مسؤول، لا يستطيع أن يغرّد أو يصرّح بأي تصريح إلا ويهبّ الافتراضيون للهجوم عليه، هجوم يستهدف شخصه أو وضعه الوظيفي، ويروم قتله معنويا وشل حركته الفكرية، لدرجة يرفض بعدها التصريح أو التعقيب أو المشاركة في أي فعالية عامة أو خاصة بل ينأى بنفسه عن المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي بل وحتى في كل وسائل الإعلام التقليدية.
الظاهرة الخطيرة أوجدت فراغا كبيرا في الأوساط المحلية لدرجة غياب معظمهم عن الرد والتوضيح في قضايا الشأن العام، بل إن المسؤولين انسحبوا من وسائل وساحات التواصل الاجتماعي وباتوا ضحايا لـ «التنمر الإلكتروني»، إلى حد أنه ما عاد هناك من ينبري للرد أو التوضيح أو لفك طلاسم سوء الفهم.
الظاهرة كما أسلفنا تتجاوز المهمات الوظيفية للمتنمر عليه لتدلف بغير وجه حق إلى شخصه وروحه وكيانه وعائلته وأفراد أسرته وأقربائه، وتصب جام غضب البذاءات اللفظية فادحة العواقب عليهم، لا لذنب جنوه بل لأن رب الأسرة تحدّث في الشأن العام، بحكم وظيفته، عن قضية تهم المجتمع والصالح العام، ظنا منه أنه يساهم في الارتقاء بمستوى الفكر وبمستوى علاج الظواهر السلبية مستفيدا من هذه التكنولوجيا الجديدة.
المهاجمون الأشاوس نسوا بالقطع أو هم لا يعلمون بأن الله عز وجل قال في محكم كتابة العزيز وفي الآية (11) من سورة الحجرات: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» صدق الله العظيم.
فهل يعلم أولئك بأنهم قد أصبحوا من الظالمين، والله عز وجل حرّم الظلم على نفسه فيا لهول الجرم الذي ارتكبه عباد الله ظلموا أنفسهم بدءا قبل أن يظلموا الأبرياء بغير وجه حق، فأين سيذهبون؟
وفي مواضع من القرآن شتى يدعو رب العزة إلى اتباع الموعظة الحسنة كما في الآية 125 من سورة النحل عندما يأمر رب العزة رسوله الكريم بـقوله: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، ففي هذا التوجيه الرباني العميق أبلغ الدروس وأعمقها على الإطلاق في معنى وأصول الحوار والنقاش والجدال. ولقد تركنا كل هذه التعليمات القرآنية العطرة وانحدرنا للدرك الأسفل من القول، وفي الدرك الأسفل يوجد الجحيم واللظى لمن ضل سواء السبيل.
نأمل أن يعود البعض لأنفسهم ممن امتهنوا هذا الداء الوبيل أو لنقل ممن أصابهم هذا الفيروس القاتل وأن يحاولوا علاج أنفسهم قبل فوات الأوان، فإذا ما مات الرجل قامت قيامته، فكيف لهم أن يقابلوا خالقهم وفي أعناقهم أوزار تنوء بحملها الجبال، فمقتل الرجل أصلا بين فكيه، فلماذا يقتل هؤلاء أنفسهم بأنفسهم؟