
علي بن راشد المطاعني
تكتسب العلاقات العُمانية الصينية أهمية كبيرة على العديد من الأصعدة والمستويات التي تؤهّلها لتتبوأ مكانة عالية على صعيد علاقات السلطنة بدول العالم، ولعل توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين البلدين الصديقين لدليل على ما وصلت إليه هذه العلاقات المتينة من تطوّر في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- وفخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ اللذين يرعيا هذه العلاقة ويحرصان على تطوّرها مستقبلا تحقيقا لتطلعات البلدين والشعبين الصديقين.
فهي إذن علاقات تاريخية تعود إلى الحقب الماضية، وشهدت تطوّرات متزايدة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية خلال الأربعين عاما الماضية. ولعل تأكيدات السفيرة الصينية في السلطنة على عمق هذه العلاقات وترسخها في كل المجالات لهو دليل على ما وصلت إليه من تطوّر ارتقى إلى مستويات الشراكة الإستراتيجية بين دولتين لهما وزنهما في العالم ومكانة تحظى بالاحترام والتقدير من المجتمع الدولي. كما أن الاهتمام الذي تبديه حكومتا البلدين ونظرتهما بعيدة المدى في توحيد الرؤى والمواقف وصولا لتلك الصيغة المُثلى التي يمكن عبرها تسخير كل الإمكانات لفائدة الشعبين كان له كبير الأثر في هذا التطوّر الإيجابي؛ فخلال السنوات الماضية كانت العلاقات الثنائية تمضي في روية وتؤدة نحو غاياتها المرصودة منذ البدء والتي تكللت كخاتمة حتمية بالوصول لصيغة الشراكة الإستراتيجية.
فالسلطنة ومن خلال موقعها الجغرافي المميّز في شبه جزيرة العرب تشكّل نقطة ارتكاز تجارية متقدمة للصين في إطار منظومة تعاملاتها التجارية مع دول العالم، وذلك ما أشارت إليه السفيرة الصينية بأن حكومتها ترغب في الاستفادة من إمكانيات الموقع الجغرافي والبنى الأساسية المتمثلة في الموانئ الكبيرة في السلطنة، وعدم الربط بين تعاون حكومتها مع الدول الأخرى وإقامتها للمشروعات الاستثمارية في تلك الدول مع ما تستثمره في السلطنة، بل عدم التأثير على ما تعتزم الصين الاستفادة منه في السلطنة جاء ليقطع الشك باليقين بأن السلطنة لها وضعها الاقتصادي والجغرافي الذي يجعل الصين تتحفز للاستفادة منه وإذ هو مقترن بالأمن والاستقرار الذي تتمتع به السلطنة وذلك يضيف بُعدا حيويا لاستثماراتها لانتفاء أي تأثيرات جيوسياسية وعسكرية عليها.
فعلى الصعيد الاقتصادي بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2018 21.939 بليون دولار، وتزداد بنسبة 40 % سنويا، وبذلك تعد الصين الشريك التجاري الأول للسلطنة بل هي المستورد الرئيسي للنفط العُماني إذ تشكّل مبيعات النفط العُماني للصين ما يربو على 97 % من إجمالي الصادرات العُمانية لجمهورية الصين الشعبية.
وعلى صعيد الاستثمارات الصينية في السلطنة فإنها تبلغ 6.06 بليون دولار وفق بيانات العام 2018، بالإضافة إلى استفادة السلطنة من قروض تنموية من البنوك الصينية مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية من خلال توفير قروض تقدّر قيمة الأول منها بـ 265 مليون دولار تمت الاستفادة منه في تطوير ميناء الدقم والثاني بـ 36 مليون دولار استُخدم في الإعداد المبكّر لمشروع سكة الحديد في السلطنة، وفي عام 2017 وافق البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية وصندوق طريق الحرير على تقديم قروض بقيمة 239 مليون دولار للسلطنة لمشروع شبكة النطاق العريض، لتصل القروض التنموية الصينية للمشروعات في السلطنة إلى 540 مليون دولار، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي تحظى بها المؤسسات في السلطنة لدى الحكومة الصينية التي تشجّع رجال الأعمال على الاستثمار في العديد من المجالات وخاصة الصناعات البتروكيماوية وخاصة الاستثمارات الصينية في الدقم كالمدينة العُمانية الصينية البالغ قيمة استثماراتها عشرة بلايين دولار وغيرها من المشروعات في كل المجالات التي تعمل على الاستفادة ممّا تمهّده حكومتا البلدين من أرضية للاستثمار والاستفادة من العلاقات الوطيدة بينهما، فالقطاع الخاص في كلا البلدين مدعو أكثر لإيجاد شراكات اقتصادية أكبر واستثمار المناخات المتوفرة بما يُسهم في إعطاء زخم كبير لمجالات التعاون.
أما القطاع السياحي فقد قطع شوطا طيبا في سلّم العلاقات العُمانية الصينية مستفيدا من التسهيلات التي وفّرتها السلطنة للسيّاح الصينيين في دخول السلطنة بتأشيرة عند الوصول للمطار ومن برامج الترويج للسياحة في الصين، وقد أثمرث هذه الجهود بتحقيق ارتفاع ملحوظ في أعداد السيّاح الصينيين للسلطنة في الربع الأول من العام الجاري، إذ بلغ عدد السياح أكثر من 20.000 سائح، وتعمل وزارة السياحة على افتتاح مكتب للتمثيل السياحي في النصف الثاني من العام الجاري لاجتذاب أكبر عدد من السيّاح الصينيين.
وتشجّع الحكومة الصينية المستثمرين وهناك مجالات تعاون متعددة بين البلدين من بينها التعاون الإعلامي، وقد وقّعت مذكرة تفاهم بشأنه في عام 2018، فضلا عن مشاركات الفرق الفنية الصينية في مهرجان مسقط.
بالطبع العلاقات العُمانية الصينية في افضل مستوياتها، بل هي الأعلى على صعيد العلاقات بين الدول لإدراك قيادة البلدين ثقل وحجم كل منهما في العالم.
نأمل أن تُستثمر هذه العلاقات المتطوّرة وعلى كافة الأصعدة والمستويات والاستفادة من الأرضية الصلبة التي وفّرتها قيادة البلدين لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه وفي كافة مجالات التنمية والاستثمار.