
إليزابيث درو
أصبح الموقف السياسي في الولايات المتحدة الآن أقل استقرارا من أي وقت مضى منذ بدأت تغطية الأحداث هناك، بما في ذلك عصر وترجيت. والرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصية يائسة، وجريحة، وغير مستقرة كائن ذو وجه منتفخ متزايد الاحمرار، يسب ويشتم ويندد بالإهانات التي يشعر أنها موجهة إليه من قِبَل «كارهين» تحركهم دوافع وضيعة شريرة.
على الرغم من نوبات الصخب المتبجح المشوشة التي نراها من ترامب بلا انقطاع، فمن الواضح أنه يفهم منذ البداية أن رئاسته كانت ضعيفة للغاية. الواقع أن تقرير المحقق الخاص الأميركي روبرت ميولر، الذي أصدره يوم الخميس الفائت المدعي العام الأميركي ويليام بار، يستشهد بردة فعل ترامب إزاء الأخبار في السابع عشر من مايو 2017 حول تعيين ميولر للتحقيق في صلات تربطه هو وحملته الانتخابية بروسيا.
قال ترمب: «هذه نهاية رئاستي، قُضي أمري». جاء تعيين ميولر بعد تسعة أيام من إقدام ترامب، بتحريض من صهره جاريد كوشنر، على إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي في لحظة تهور.
فقد أشاع كوشنر على نحو مستتر أن إقالة كومي ستحظى بشعبية كبيرة بين الديمقراطيين لأنه أضر بحملة هيلاري كلينتون الرئاسية في عام 2016.
كان المفترض أن يكمل ميولر، وهو مدير سابق محترم لمكتب التحقيقات الفيدرالي، التحقيق في التدخل الروسي في انتخابات 2016 وعلاقات حملة ترامب بذلك التدخل.
وبحلول الوقت الذي أعلن فيه كومي عن التحقيق في مارس 2017 (وأدخل تعبير «تواطؤ» في مناقشة المسألة الروسية)، كان مكتب التحقيقات الفيدرالي فتح تحقيقا آخر، لا يغطيه تقرير ميولر، حول ما إذا كان ترمب أو غيره ممن حوله أصبح عرضة للشبهات بسبب تصرفات روسيا.
ويُقال إن هذا التقرير لا يزال مستمرا.
لعل ردة فعل ترامب إزاء تعيين ميولر كانت التعبير الأكثر صدقا الصادرة عنه حول موقفه.
ومنذ ذلك الحين، حارَب وناور لمنع فريق ميولر من معرفة إلى أي مدى تورطت حملته مع مسؤولين رفيعي المستوى في روسيا. الواقع أن تقرير ميولر المهذب الذي جرى حجب 10 % من محتواه، بدعوى أن هذا المحتوى قد يؤثر على دعاوى قضائية قائمة كان له وقع القنبلة النووية على واشنطن. كان النهج الحذر الذي توخاه التقرير مصدر قوته.
فرغم أن التقرير رفض، لأسباب ضيقة أو فنية في الأساس، التوصية بتوجيه الاتهام إلى ترمب سواء في ما يتصل بالجهود الروسية في عام 2016 أو عرقلة العدالة في محاولاته العديدة لتعويق عمل المستشار فإن سرده الجاف المنهجي القاسي للأسباب التي تجعل موقف ترمب ضعيفا على الجبهتين كان مدمرا.
ومن خلال ضبط النفس الذي أبداه، منع ميولر تقريره، وليس سلوك ترامب، من أن يكون هو القضية.
كانت محاولات بار المثيرة للشفقة للتلاعب بالتقرير لصالح ترامب كما فعل عن طريق مؤتمر صحافي غير مبرر قبل تسعين دقيقة من نشر التقرير للكونجرس أو عامة الناس أشد إحراجا عندما بات من الواضح أنه كذب بشأن عدة نقاط. ولابد أنه أدرك أن أكاذيبه حول محتويات التقرير ستنفضح على الفور.
وسواء تصور أنه كان يساعد ترامب من خلال اجتذاب بعض النيران تجاهه شخصيا، أو أنه كان ينفذ أوامر صادرة إليه، فقد أهان نفسه.
والآن أصبح بار، وهو من الصنف الذي كان ترامب يرغب فيه من مدعي العموم، خاضعا لشكل أو آخر من أشكال التوبيخ أو العقاب أمام الكونجرس.
الواقع أن ميولر أشار بوضوح إلى أنه تصور أن الكونجرس يجب أن يتحرك على المسار الذي مُنِع هو من سلوكه بسبب قاعدة غريبة تعمل بموجبها وزارة العدل، وأن ترامب يستحق المحاكمة بعد مغادرته منصبه.
رفض فريق ميولر استخدام مصطلح «التواطؤ» لأنه لا يحمل معنى قانونيا، واستقر على مصطلح «التنسيق»، الذي عرفه بعد ذلك بشكل ضيق على أنه «اتفاق ضمني أو صريح بين حملة ترامب والحكومة الروسية بشأن التدخل في الانتخابات». وعلى هذا فإن التقرير لا يستنتج أنه لم يكن هناك أي تفاعل بين حملة ترامب وشخصيات روسية مرتبطة بالكرملين أو كما ادعى ترامب مرارا وتكرارا «لم يكن هناك تواطؤ». بل يقول التقرير فقط إنه لم يتمكن من التوصل إلى دليل «يثبت تنسيق حملة ترامب مع الحكومة الروسية في الأنشطة التي مارستها للتدخل في الانتخابات». لاحظ تعبيرات مثل «إثبات» و»حكومة»). كما رفض التقرير استخدام مصطلح «مؤامرة» على هذا الأساس الضيق. مع ذلك، يسلط التقرير الضوء على حركة التواصل الكثيفة بين أعضاء في فريق ترامب وعملاء في الاستخبارات الروسية وأفراد من النخبة المقربة من الكرملين.
كما كشف التقرير أن بول مانافورت، رئيس حملة ترمب، أعطى زميله المقرب كونستانتين كيليمينك، الذي ينتمي إلى الاستخبارات الروسية/الأوكرانية، معلومات مفصلة عن الاقتراع الداخلي وأطلعه على «الولايات التي تدور فيها معركة انتخابية صعبة» والتي تشكل أهمية حاسمة لفوز ترامب.
الواقع أن هوامش ترامب الضئيلة للغاية في ثلاث ولايات كانت أساسية لفوزه بنسلفانيا، ومتشيجان، وويكونسن التي ذهبت لصالحه بما لا يزيد على 80 ألف صوت في مجموعها، تشير إلى أن روسيا ربما لعبت بالفعل دورا محددا في الانتخابات.
ولكن على الرغم من أن التعريف الضيق لما كان يُعَد تجاوزا للحدود ربما يبدو وكأنه يتحدى الفطرة السليمة، فإن ميولر كان مقيدا بما اعتقد أنه قادر على إثباته في المحكمة.
من ناحية أخرى، يشير التقرير إلى أن ميولر يعتقد أن ترامب مذنب بمحاولة عرقلة التحقيق.
لكنه لم يتمكن من التوصية بتوجيه هذه الاتهامات، كما كتب، بسبب قاعدة معمول بها في وزارة العدل تمنع اتهام أو محاكمة رئيس في المنصب.
وكان الأساس المنطقي لهذه القاعدة الذي أنشئ أول مرة في عام 1973 عندما كان ريتشارد نيكسون عُرضة لخطر قانوني، من قِبَل وزارة عدل مدينة له بالتبعية أن إجراءات المحكمة سوف تستغرق قدرا كبيرا من وقت الرئيس.
وبقدر ما قد يكون هذا المبرر موضع تشكيك، فإن القاعدة التي أعيد التأكيد عليها في عام 2000، في أعقاب حالة الذعر التي صاحبت فكرة توجيه الاتهام إلى بِل كلينتون اتخذت هيئة الأمر المقدس.
وقد توصل اثنان من المستشارين الخاصين أو المستقلين إلى نتائج معاكسة.
ولكن حتى لو كان ميولر، الرجل الملتزم بالنص حرفيا، ميالا إلى الطعن في صحة هذه القاعدة في المحاكم، فإن القيام بهذا كان ليستغرق وقتا طويلا للغاية.
وقد أشار ميولر إلى أن الإنصاف يلزمه بعدم توجيه الاتهام إلى ترامب دون أن يتبع ذلك بالمحاكمة، لأن الرئيس بهذا يصبح في موضع اتهام دون أن يحظى بالفرصة لإبراء نفسه. بيد أن التقرير أشار رغم ذلك إلى أن توجيه الاتهام إلى ترمب بعد مغادرته منصبه سيكون لائقا، وأورد فريق ميولر 14 حالة أخرى لمدعين فيدراليين بشأن أنشطة الرئيس التجارية وجمع التبرعات لحفل تنصيبه في عام 2017.
وبين هذه القضايا المعلقة وغيرها مما يتصل بإساءة استخدام السلطة الرئاسية لتحقيق مكاسب خاصة، تبدو حياة ترامب بعد الرئاسة قاتمة وهو ما يعني ضمنا أنه سيحارب بشكل أشد شراسة لإعادة انتخابه، على أمل التغلب على قانون التقادم في ما يتصل بعدد من هذه الاتهامات.
من الواضح أن النهج الجنائي في التعامل مع فضيحة روسيا لم يكن منطقيا قط.
وكانت لجنة مستقلة، أشبه بتلك التي أنشأها الكونجرس للتحقيق في الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، لتتمكن بشكل أكثر واقعية وشمولية من فحص ودراسة احتمال وجود رئيس غير شرعي ومحتال مسرف على رأس حكومة الولايات المتحدة، فضلا عن التهديد المستمر المتمثل في الإفساد من قِبَل قوة أجنبية سيئة النوايا.
الآن عادت الكرة إلى ملعب الكونجرس، وهو في الحقيقة الآن كيان منقسم بعمق حول ما يجب القيام به حيال هذا الأمر، إن كان من الممكن القيام بأي شيء.
محررة مساهمة في صحيفة الجمهورية الجديدة ومؤلفة كتاب «صحيفة واشنطن: الإبلاغ عن ووترجيت وسقوط ريتشارد نيكسون».