باتريك ري
جان تيرول
جاء القرار الذي أصدرته المفوضية الأوروبية الشهر الفائت بمنع الاندماج المقترح بين ألستوم وسيمنز في مجال صناعة السكك الحديدية بمثابة ضربة واضحة للشركتين. كما شكل القرار انتكاسة كبرى للحكومتين الفرنسية والألمانية، اللتين كانتا قد أيدتا الصفقة بقوة.
وبسبب غضبهما من القرار، تطالب كل من فرنسا وألمانيا الآن بإعادة كتابة قواعد الاندماج في الاتحاد الأوروبي، بهدف منح الدول الأعضاء مساحة أكبر من الرأي فيما يتعلق بأي اندماج مقترح. ورغم ما قد ينطوي عليه مثل هذا النهج من إغراء، نرى أنه من الحكمة أن لا تدع أوروبا سلطة إنفاذ سياسات المنافسة في أيدي السياسيين.
كان مما قاله مؤيدو اندماج ألستوم وسيمنز إن من شأن مثل هذا الاندماج أن يخلق عملاقا أوروبيا في مجال صناعة القطارات فائقة السرعة لمنافسة الشركة الصينية لإنشاء السكك الحديدية الصينية، التي تعمل في سوق محلية كبيرة مغلقة تقريبا، والتي قد يتزايد وجودها قريبا في أوروبا، بحسب داعمي اتفاق الاندماج. غير أن هذا لم يكن اندماجا بسيطا سيجعل حتما صناعة السكك الحديدية في الاتحاد الأوروبي أكثر تنافسية على المستوى العالمي. فرغم كل شيء، تسيطر ألستوم وسيمنز بالفعل على أسواقهما المحلية في مجالي أنظمة إشارات القطارات والمعدات الدارجة للسكك الحديدية فائقة السرعة.
في مسعى لتشبيه الاندماج المقترح بخطوة إنشاء شركة تصنيع الطائرات الأوروبية إيرباص في عام 1970، أطلق عليه دعاته اسم «ريل باص». لكن بينما كانت إيرباص تمثل تحديا لشركة بوينج، التي كانت تحتكر تقريبا سوق الطيران التجاري آنذاك، فإن دمج ألستوم وسيمنز كان ليفضي إلى تقليل عدد الجهات الفاعلة في صناعة السكك الحديدية في أوروبا.
لا شك أنه يتحتم على أوروبا التنبه والتيقظ للتحدي الذي تشكله كل من الصين والولايات المتحدة، حيث أن أكبر 20 شركة للتكنولوجيا الفائقة في العالم إما صينية أو أميركية، وهو الأمر الذي قد ينطبق على قطاع الرعاية الصحية خلال عقد أو عقدين، إذا أخذنا في الاعتبار الطفرات في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وعلم الوراثة. بيد أن هذه الهيمنة الصينية- الأميركية تعد انعكاسا لعوامل شتى، ولن تستطيع الاندماجات وحدها إعادة التوازن. ورغم ما نتفهمه من إحباط شركتي ألستوم وسيمنز بسبب عدم قدرتهما على الوصول للسوق الضخمة للسكك الحديدية فائقة السرعة في الصين، فإن هذا يتطلب تدخلا وإجراءً لتسوية النزاع من جانب منظمة التجارة العالمية، أو تقوية للسياسة التجارية والشرائية للاتحاد الأوروبي، وليس إضعاف سياسة المنافسة لدى الاتحاد.
ورغم ذلك، كشف وزيرا الاقتصاد في فرنسا وألمانيا في 19 فبراير الفائت عن خطة مشتركة لتنقيح قواعد الاندماج في الاتحاد الأوروبي، بما يمكّن من صنع كيانات صناعية أوروبية عملاقة. لكن مطالبة المفوضية الأوروبية بأن تأخذ في الاعتبار أمورا أخرى، مثل الوجود العالمي للشركات، قد يتعارض مع تفويضها القائم بحماية مواطني الاتحاد الأوروبي.
وعلى كلٍ، فقد منعت المفوضية صفقة اندماج ألستوم وسيمنز في المقام الأول بسبب مخاوف جادة من أنها قد تفضي لارتفاع أسعار نظم الإشارة والقطارات فائقة السرعة في أوروبا.
وربما أعطى المقترح الفرنسي الألماني الجديد الدول الأعضاء الحق في إبطال قرارات المفوضية المناهضة للاحتكار في «حالات محددة جيدا»، لكن ربما أغرى هذا ساسة كل دولة بتوسيع حدود تعريف مثل هذه الحالات دعما لدمج مفضل بعينه. لذا ينبغي أن تظل سلطة التنفيذ في أيدي مفوض المنافسة في الاتحاد الأوروبي والمديرية العامة للمنافسة، رغم أحقية المسؤولين المنتخبين في وضع التفويض العام لهيئات المنافسة في الاتحاد الأوروبي.
ولهذا الرأي أسباب عدة وجيهة. أولها أن السياسيين يتعرضون للضغط الشديد من جانب الشركات الكبرى والمؤسسات الصناعية، التي قد تكون أكثر اهتماما بتقييد المنافسة عن تشجيعها. بالمثل، شجعت الضغوط السياسية سابقا حدوث طفرات ائتمانية من خلال التراخي في الإشراف المصرفي وتسهيل الشروط النقدية، مما أدى في النهاية إلى استقلال البنوك المركزية. وفي مجال صناعات الشبكات، مثل الاتصالات أو الطاقة، يميل الساسة إلى تفضيل أسعار المستخدم المنخفضة بشكل مصطنع، التي يمكن أن تطرد الاستثمار (ولهذا السبب، عينت الولايات المتحدة قضاة مستقلين للاضطلاع بمهمة الإشراف على تنظيم معدل العائد بالمرافق العامة في أوائل القرن العشرين).
ثاني هذه الأسباب، أنه حتى لو قاوم المسؤولون المنتخبون مثل هذه الضغوط، فقد لا يتخذون بالضرورة قرارات أفضل من قرارات سلطات الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي. فقد عين مدير عام المنافسة طاقم عمل مؤلفا من 30 اقتصاديا من حملة الدكتوراه المتخصصين في مسائل المنافسة. ونشك في استعداد الوزارات الحكومية في برلين أو باريس أو أي عاصمة أوروبية أخرى أن تحشد زخما مماثلا من الطاقات العقلية.
أخيرا فإن الادعاء بأن هيئة المنافسة بالاتحاد الأوروبي تتدخل بشكل مفرط في شؤون الدول هو ادعاء لا أساس له من الصحة. بل إن العكس هو الصحيح: حيث تجيز المفوضية الأوروبية غالبية طلبات الاندماج دون أن تطلب من الشركات اتخاذ خطوات علاجية للمخاوف المتعلقة بالمنافسة. ففي عام 2018 مثلا، وافقت المفوضة على 370 حالة اندماج بشكل غير مشروط، وعلى 23 حالة اندماج أخرى مرفقة بشروط (أو «تعهدات»)، ولم تزد فترة فحص معظم الحالات عن شهر واحد. وقد منعت المفوضية اندماجين اثنين فقط في عام 2017، فيما لم تعترض على أي اندماج في عام 2018، كما يقل عدد حالات الاندماج التي رفضتها المفوضية منذ تبني لائحة الاندماج بالاتحاد الأوروبي عام 1990 عن ثلاثين.
ولا يشكل الإحباط السياسي من رفض حالة اندماج واحدة- رغم عظم شأنها- سببا وجيها لتقويض سلطة الاتحاد الأوروبي الراسخة المستقلة في مجال المنافسة. ولحسن الحظ أنه ربما لا يزال هناك مكان للسياسة الصناعية في أوروبا، شريطة أن تستبعد هذه السياسة التقليد الفرنسي المتمثل في قيام الوزراء بانتقاء الفائزين. وربما كان من الأفضل صياغة سياسة على مستوى الاتحاد الأوروبي تستفيد من نجاحات دول مثل كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. ففي الأخيرة مثلا، نجحت وكالة مشروعات بحوث الدفاع المتقدمة، ومؤسسة العلوم الوطنية، ومعاهد الصحة الوطنية في تطوير تقنيات للقرن الواحد والعشرين.
ولكون مثل هذا النهج بعيدا عن الاصطدام بسياسة المنافسة الخاصة بالاتحاد الأوروبي، فقد يساعد في جعل الصناعة الأوروبية أعلى إنتاجية وأكثر تنافسية على المستوى العالمي. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب إبقاء ساسة أوروبا بعيدا عن قرارات المنافسة اليومية.
باتريك ري: أستاذ علوم الاقتصاد في كلية تولوز للاقتصاد
جان تيرول: حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2014