عبدالناصر الذي لم يبرح ذاكرتنا

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٠/مارس/٢٠١٩ ١١:٤٣ ص
عبدالناصر الذي لم يبرح ذاكرتنا

أحمد المرشد
توقفت كثيرا وأنا أشعر بحالة من الانبهار والسعادة والفخر خلال زيارتي لمحافظة أسوان في أقصى جنوب مصر الأسبوع قبل الفائت، مبعث كل هذه السعادة هو رؤيتي للسد العالي هذا المشروع الضخم الذي بناه الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، فمثل هذه المشروعات لم يفكر فيها سوى زعيم كبير اسمه «ناصر»، فهو مفجر طاقات الثورة لدي الشعوب العربية والإفريقية واللاتينية، ولم تكن هناك مدينة في كل المدن التي أحبته وبكته يوم وفاته بدون شارع أو ميدان باسمه تخليدا لذكراه العطرة، ويكفي أن أقول وفقا لرواية صديق مصري أن رئيس مجلس الشعب المصري السابق فتحي سرور عندما ترشح لرئاسة البرلمان الدولي في أواخر التسعينيات من القرن الفائت نجح في تولي المنصب بفضل الأصوات الإفريقية، فالشعوب الإفريقية عن بكرة أبيها لا تزال تشعر بالامتنان لهذا الرجل لما قدمه لها من تحرير أوطان مغتصبة وليفتح لهم لاحقا مجال التعليم في مصر.
وكما هو «ناصر» الإفريقي لم يغب أبدا عن عقل العرب وقلوبهم، في القلب مثلما العقل، خاصة لدي الشعوب العربية التي ناصرها في ثوراتها ضد الاستعمار الفرنسي والبريطاني ليكتب لهم في نهاية المطاف كلمة «التحرير» ولتبدأ الدول نتيجة تحفيزه وخطبه النارية ضد الإمبريالية مرحلة البناء والتقدم، وأمامنا الجزائر التي أمد ثوارها الأحرار بكل وسائل السلاح والخطط والدعم المطلوب في المحافل الدولية، كذلك دعمه الثورة الليبية ودعمه للعراقيين، وهو الذي كان أول زعيم عربي يفكر في الوحدة العربية فكانت بين مصر وسوريا، ورغم عدم استمرارها سوي ثلاث سنوات فقط، إلا أنه يكتب لـ»ناصر» تفكيره في وحدة الشعوب ومناصرة الحق واستعادة الحقوق، كما كان لناصر باع طويل في مساعي الوحدة بين أكثر من دولة عربية، فكانت وحدة مصر والسودان وليبيا، ولا زلنا نتذكر أيادي ناصر وجعفر النميري ومعمر القذافي متشابكة أمام العالم. ولعل هذه الوحدة التي لم تر النور كثيرا تذكرنا اليوم بموقف هذه الدول لو كانت هذه الوحدة استمرت.إنه ناصر الذي سار في جنازته نحو 5 ملايين مصر بخلاف الذين توجهوا إلى مصر من العرب على عجل لمشاهدة لحظات وداعه الأخيرة قبل أن يواري التراب جسده، وهو ناصر الذي رغم نكسة 1967 استطاع بعد أقل من عامين من إعادة بناء قواته المسلحة، ليس هذا فقط بل شارك بالقوات في حرب الاستنزاف التي مهدت لنصر أكتوبر، وليتعلم ناصر من درس الهزيمة وعدم الاعتماد على الأصدقاء المقربين بل على الكفاءات، فكان لديه الدأب والقدرة على استيعاب الأخطاء ليتعلم منها ويبدأ مرحلة إعادة البناء، ونحن هنا لن نزايد على الحقيقة أو نجافيها إذا قلنا أن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها القوي الغربية ومنها بريطانيا وفرنسا ظلوا يحاربون عبد الناصر وكانت إسرائيل هي سلاحهم في هذه الحرب واستخدموها بكل ما لديهم من أسلحة وعتاد ضخمة لتركيعه، وفشلوا في مساعيهم هذه. ونخرج من هذه الرواية كيف فكر الغرب وقد نجح في مسعاه في تأخير تقدم مصر ونهضتها وعرقلة مسيرة عبد الناصر لتحديث مصر ليضعها في مصاف الدول الكبري، حيث كان قد بدأ نهضة صناعة وزراعية كبرى، ثم خطوته الجريئة بتحول تسليح مصر من السلاح الغربي إلى السلاح السوفيتي وهي الخطوة التي استفزت بريطانيا وفرنسا وأمريكا. إنه «ناصر» زعيم الأمة الذي لم تغب عنه قضاياه بلاده والأمة العربية منذ حارب ضابطا في حرب فلسطين وعاني من الأسر والإصابة ليفكر من مدينة الفالوجا الفلسطينية المحاصرة في شن ثورة كبرى في بلاده، ولازمته تلك الفكرة ولم تغادر تفكيره وعقله الى أن عاد الى مصر ليؤسس تنظيم الضباط الأحرار، وليعيش مرحلة نضالية جديدة وينفعل بما يجري في مصر وحولها من مستعمر مستبد ينهم خيرات البلاد ويحولها الى حكومته في لندن, وكان كل همه هو الإطاحة بالاستعمار سواء بالنضال السياسي أو المسلح من أجل الاستقلال والحرية, لينجح في مسعاه وقد ساعده الشعب المصري وقتها الذي وقف معه بكل قوة وكان خير سند له ولبقية الضباط الأحرار.
لقد تميز فكر ناصر بكونه فكرا إستراتيجيا سابقا عهده، حيث رسم ملامح سياسة مصر الخارجية في إطار دوائرها العربية والإفريقية والإسلامية، فكل دولة عربية تدخل في محيط التوجه المصري من ناحية التاريخ والمصالح، كذلك لم تكن قارة إفريقيا بعيدة عن إستراتيجيته ليقينه التام بأن أي صراع فيها أو عليها سيؤثر سلبا علي مصر وتقدمها، كذلك تمسكه بضرورة تقدم العالم الإسلامي وعدم تخلف دوله عن الركب لما يربطها جميعا برباط الدين.

كاتب ومحلل سياسي بحريني