
أحمد المرشد
صدعت الولايات المتحدة أدمغتنا بحكاية تصديها للنفوذ الإيراني بالمنطقة، فكل الإدارات الأمريكية المتعاقبة تقريبا تعلن نيتها إحراق إيران وإغراقها في البحر، ونفس الأمر تعلنه إيران ليل نهار حيث تتوعد طهران كل إدارة أمريكية جديدة بنفس المصير، ولكن الحاصل أمامنا جميعا أن هذا العداء لا ينجرح منه سوى العرب، فتظل الحرب دائما بين أمريكا وإيران محصورة في كونها حربا كلامية لا تتعد حدود التصريحات النارية التي سئمنا منها.
وأدلة ما نقوله كثيرة، فمثلا ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو خلال جولته العربية الأخيرة التي شملت أكثر من دولة، ومنها علي سبيل المثال «أهم التهديدات التي تواجه المنطقة هي (داعش) وإيران، ثم يزيد الأمر غرابة عندما يقول إن التحالف في مواجهة إيران فعال اليوم كما كان بالأمس، وكلي أمل بأنه سيستمر بفعاليته وحتى أكثر فعالية غدا..ثم يعتقد إنه يفاجئنا بقوله: «في الأيام والأسابيع المقبلة سترون أننا نضاعف جهودنا الدبلوماسية والتجارية لتشكيل ضغط حقيقي على إيران».
والتساؤل: الي من يتحدث بومبيو؟.. وهل يعتقد أننا لا زلنا نصدق ما يقوله الأمريكيون لنا؟ فهم واهمون، فنحن نعلم أنهم يكذبون حتي وإن كانوا يتحدثون في عواصمنا، فهم لا ينطقون بالحقيقة، فما يفيدنا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي إن بلاده خلال أقل من عامين عادت بقيادة الرئيس دونالد ترامب الى تأكيد دورها كـ»قوة للخير» في منطقة الشرق الأوسط بعدما تعلمنا من أخطائنا وقمنا بإعادة بناء العلاقات ورفضنا الاقتراحات الخاطئة من أعدائنا، في إشارة الي إيران. ثم يمن بومبيو علينا بما أقدمت علي إدارة ترامب من الانسحاب من الاتفاقية النووية الفاشلة بوعودها الكاذبة، وإعادة فرض العقوبات وتنظيم حملة ضغط جديدة لقطع الإيرادات التي يستخدمها النظام الإيراني لنشر الإرهاب والدمار في المنطقة.. وقال بومبيو ضمن ما قاله من تصريحات كثيرة «نسعى إلى أن تستمر جميع الدول في العالم على تقويض النشاط الإيراني في المنطقة».
ربما الأمر الصادق الذي قاله بومبيو هو إننا جميعا أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام مسيحيون ومسلمون ويهود، فهذا أمر يعلمه حتي أطفالنا لأن ديننا الحنيف علمنا هذا ونحن نؤمن بكل الأنبياء، ولكني لا أعلم ما يريده من قوله «إن الولايات المتحدة الأمريكية قوة تخدم الخير فى الشرق الأوسط»، فهذا أمر مشكوك فيه، ولدينا دلائلنا أيضا، ومنها علي سبيل المثال ما فعله الأمريكيون في العراق بعد احتلاله في 2003 وتحويله الى بلد جائع لا يقدر علي حكم نفسه وتفتيته ودعم كل مكون ضد الآخر بعد تبني نظرية «فرق تسد» التي طبقتها من قبل القوي الاستعمارية من قبل. وها هي أمريكا التي قررت تفكيك الجيش العراقي بحجة إنه يغلب علي تكوينه البعثيين ليتفتت الجيش لنري بعد فترة كيف استولي تنظيم «داعش» علي أراضي عراقية ضخمة، ثم يدعي بومبيو أن التحالف الدولي هو الذي أطاح بالتنظيم في حين أن «داعش» لا تزال باقية في العراق وسوريا ودول أخري حتي وصلت مصر حسب إعلان مسؤوليها الرسميين ذلك، ثم ليبيا وربما يتمدد الى دول أخري.. نفس الأمر فعله الأمريكيون في سوريا، وتركو مصير هذا البلد العربي الشقيق مرهون بإرادة روسيا وإيران وتركيا.
كل هذه الأحداث تمر بنا ولم نجد أمريكا قد واجهت إيران سوي بالتصريحات الرنانة التي تهز الأبدان ولكنها لم تعد تهز الإيرانيين أبدا الذين يردون عليها بكل برود وثقة، فلم نر مواجهة عسكرية بين طهران وواشنطن، ويبدو أن الطرفين اكتفيا بالتصريحات فقط لإيهام العرب أن بينهما حالة عداء مستعصية وصعب التوصل الى حل بشأنها.
وماذا فعلت بلاد بومبيو لمؤازرة الشعب الإيراني الذي ثار ضد الحكومة في طهران فيما عرف بالثورة الخضراء عام 2009 التي شهدت خلالها إيران واحدة من أكبر الاحتجاجات في تاريخها، ردا على فوز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية وحصوله على 63% من الأصوات، متفوقا بذلك على المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي. ولم تفعل أمريكا شيئا لمناصرة ملايين الإيرانيين الذين خرجوا في مظاهرات حاشدة للتشكيك في نزاهة الانتخابات واتهام النظام بتزويرها، معلنين عدم اعترافهم بنتائجها، وقد تدخل الحرس الثوري الإيراني، لفض المظاهرات واستمر نجاد رئيسا لإيران آنذاك.
وماذا فعلت أمريكا لنا نحن هنا في البحرين، في عام 2011 عندما ثارت قلة ضد الأغلبية لتغيير نظام الحكم مستفيدة من «التحريض الإيراني» لها لولا حكمة القيادة البحرينية في مواجهة الموقف بشجاعة وهبة مجلس التعاون الخليجي لنا.
وماذا يفيدنا نحن العرب من قول الوزير الأمريكي :»إن أمريكا صديقكم القديم وقد كانت غائبة بصورة كبيرة فى فترة باراك أوباما لأن قادتنا أخطأوا في قراءة تاريخنا».. فأمريكا هي التي ساعدت في تأسس التطرف، ويكفي ما فعله تنظيم «القاعدة» من تشويه صورة الإسلام وهو التنظيم الذي أسسه الأمريكيون لمواجهة الاحتلال الروسي لأفغانستان في أوائل الثمانينيات من القرن الفائت . ثم انقلب السحر علي الساحر ليتذوق الأمريكيون نفس الطعم الذي أذاقوه للآخرين وينقض الإرهابيون علي نيويورك وغيرها في أحداث 11 سبتمبر 2001.
وبمناسبة الحروب الكلامية، خرج علينا الأسبوع الفائت قائد القوات الجوية الإيرانية عزيز نصير زاده، الذي قال إن قواته تنتظر بفارغ الصبر مواجهة إسرائيل ومحوها من الوجود، فأي تهديد هذا ومحو إسرائيل من الوجود!.. ثم يتمادى ويدعي أن بلاده «مستعدة للرد على أي تهديد وأن العدو لن يجرؤ على الاعتداء على إيران لأنه يرصد دائما جاهزيتنا وقدراتنا».. نحن هنا في حاجة لوضع ألف علامة تعجب، خاصة إذا علمنا أن المقاتلات الإسرائيلية قصفت مواقع إيرانية كثيرة في سوريا ولم تستطع القوات الإيرانية هناك الرد أو رد الهجوم فتكبدت خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. الأهم في تصريحات قائد القوات الجوية الإيرانية هو قوله إن «لجيل الإيراني الحالي وجيل المستقبل يعمل في كسب العلم المطلوب لليوم الموعود ودمار إسرائيل»، ولعلنا ننتظر لأجيال مقبلة لنري رد الفعل الإيراني. وللتذكير فقط، نورد هنا ما قاله ناشطون إيرانيون إن قوات «الحرس الثوري» في سوريا تعرضت لأكثر من مائتي ضربة إسرائيلية من دون الرد على إسرائيل، ناهيك عما ذكره رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال جادي آيزنكوت قبل أيام من مغادرة منصبه في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»: «ضربنا آلاف الأهداف من دون إعلان مسؤوليتنا عن ذلك». وبجملة التصريحات الإيرانية الرنانة، قال قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد علي جعفري إن بلاده عازمة على الاحتفاظ بما تملك في سوريا، ولوح بإطلاق صواريخ موجهة على إسرائيل إذا ما هاجمت قواته في إيران، ثم تحدث بنبرة تهكم في رده على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحذره من «اللعب بذيل الأسد». وقال مخاطبا نتنياهو إن «حكمة كبيرة وراء صبرنا على خطواتكم الاستفزازية». وبعد كل هذه الضربات لم تحرك إيران ساكنا لتنتقم من إسرائيل، بل يأتي ردها دوما ضدنا نحن العرب، فكانت النتيجة الهيمنة علي لبنان والعراق وسوريا واليمن، فنحن العرب دائما ضحية الحروب الوهمية بين إيران وأمريكا.
كاتب ومحلل بحريني