أمنيات عربية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/ديسمبر/٢٠١٨ ٠٤:٤٢ ص
أمنيات عربية

أحمد المرشد

أيام قليلة ويحل علينا العام الجديد2019، عام نتمناه أن يكون وردياً وسعيداً على وطننا العربي الكبير الذي قسمته الحروب وفرقت بين شعوبه، عام نتمناه بعيداً عن الصراعات والنكبات وويلات الحروب والدمار والخراب الذي حل ببعض بلدان الوطن العربي.. وربما تحضرني قصة قصيرة عن «بائع الزبدة» أود أن أسردها لتكون مدخلاً لأمنياتي في العام الجديد، فيحكي أن رجلاً فقيراً لم تتح له فرصة عمل ليعتاش منها، فما كان من زوجته إلا أن عرضت عليه بيع الزبدة التي تصنعها لمحل البقالة الذي يشتري منه مواده الغذائية. ووافق الرجل وعرض بضاعته على البقال الذي وافق على الفور واتفقا على أن يبيع له مقدارا محددا كل فترة، مقابل شراء حاجات المنزل من البقالة. وكانت الزوجة تصنع الزبدة على شكل كرة وتزن الواحدة منها كيلوجرام بالضبط. وذات يوم شك صاحب محل البقالة في وزن كرات الزبدة ليكتشف فعلا أن وزن الكرة 900 جرام وليس كيلو كما هو الاتفاق، فغضب بشدة وقرر مقاطعة شراء الزبدة من الرجل ولكن بعد نهره على فعلته هذه، فكيف يغشه في الوزن وهو الذي أتمنه على هذا.

وبعد عدة أيام جاء الرجل ومعه بضاعته الجديدة من كرات الزبدة، إلا أنه فوجئ بغضب البقال وقراره بعدم التعامل معه بعد اكتشافه واقعة الغش في الميزان، وأسمعه ما لا تحمد عقباه مثل:»أتغشني بعدما استأمنتك أيها الغدار»، وردد على مسامعه «سورة المصطففين»..} وَيْلٌ لِّلْمُصطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَووَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَـئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾ّ.

فنكس الرجل الفقير رأسه وقال للبقال بصوت مخنوق: «نحن لا نملك المال لشراء الميزان». وحكى للبقال كيف يوزن كرة الزبدة، فهو قد اشترى منه في بداية التعامل معه كيلو سكر، وبما أنه لم يكن يملك أية نقود ليشتري بها ميزانا خاصا به، فقرر جعل كيلو السكر هذا معياره في الميزان ومثقالا للزبدة.. فبهت البقال من كلام الرجل، ليتعلم درسا قاسيا وغاليا في آن واحد، مفاده: «أن مكيالك سيكال لك به وكما تصنع تجازى».

ونحن على أعتاب العام الجديد 2019، نقول لحكام الدول التي تتنازعها الحروب وويلاتها: «كما تدين تدان..وكما تصنع تجازى»، فلكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه، وهذا يتفق أيضا مع حكاية بائع الزبدة، فلن يهرب حاكم بما فعله في شعبه من دمار وخراب.
أيام قليلة ويحل علينا العام الجديد2019، نتمنى أن يدرك حكام الدول مدى الظلم الذي تعرضت له شعوبهم، غير أننا نحلم نحن أبناء الشعوب العربية المجيدة أن تعود البلدان التي دمرتها حروبها الأهلية والمذهبية والعرقية والقبائلية، الى خرائطها التي عهدناها منذ نعومة أظافرنا حيث حفظنا تلك الخرائط وكنا نستطيع أن نرسمها من الذاكرة، تلك الذاكرة التي كادت تضيع بسبب استمرار الحروب التي اجتاحت سوريا والعراق واليمن وليبيا.
أيام قليلة ويحل علينا العام 2019، نتمنى فيه على الأخوة قيادات الشعب العراقي أن يفتحوا صفحة جديدة مع شعبهم الذي عانى مرارة الاغتراب داخل بلده، حتى وإن لم يغادرها، وكيف يغادرها وهو لا يملك قوت يومه ليهاجر ويبدأ حياته في بلاد المهجر كما فعل أسلافه من قبل. نتمنى على قيادات العراق أن تعود الى رشدها لتحكم بالعدل وبما يمليه عليها الواقع العراقي وعلى قيادات العراق أن يعوا ما تم قبل أشهر في المحافظات الجنوبية بالعراق الشقيق «البصرة، ذي قار، النجف، بابل، كربلاء، ميسان والديوانية» من ثورة شعبية ضد تدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية لبلدهم، ولم تسلم حكومة حيدر العبادي وقتها من هجمات سكان الجنوب لتقع في مأزق كبير. لقد كانت احتجاجات المدن بمثابة رسالة لأركان الحكم بضرورة أن يدار العراق لمصلحة العراقيين أنفسهم وليس لمصلحة الآخرين.
وأيام قليلة ويحل علينا العام الجديد، نتمنى لسوريا دمشق وحلب واللاذقية وإدلب أن تعود كما كان تقبل 2011 وطنا واحدا وليس عدة أوطان لعدة قيادات وجيوش،.. نتمنى أن تعود سوريا لتكون عاصمتها دمشق من جديد وأن تدار من قلب دمشق الجميلة وليس من عواصم عدة، موسكو وطهران وأنقرة، وربما نتوجه بسؤال الى القيادة السورية: «ألم يحزنك قول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس التركي رجب طيب أردوجان (سنسحب الجيش الأمريكي من سوريا..فسوريا قد أصبحت لك)؟»..ألم يحزنك هذا القول حقا؟ وإن لم يحزنك فمتى تحزن على أوضاع شعبك الذي بات مشردا ولاجئا ومهاجرا في بلاد العالم؟.. حقا، نتمنى أن تعود سوريا الشام كما كانت قبل 2011، تلك الدولة التي تشتهر بين الدول العربية باكتفائها الذاتي من المواد الغذائية.
ونحن على أعتاب عام جديد، سنظل متفائلين بالأيام المقبلة رغم ما شهدناه في العام الحالي من قتامة. إلا أنه لا يزال يحدونا الأمل على هزيمة الأوضاع الحالية،لأننا نحلم بغد آمن مستقر، يسعد فيه الأبناء عما عجز الآباء عن فعله.. ونتمنى في العام الجديد 2019 ان تجف منابع الإرهاب التي أغرقت بعض بلداننا العربية عنفا وكراهيةً، نتمنى أن يعم السلام والحب والخير بين القادة وشعوبهم، بعد أن زرعوا بذور الإرهاب والفتنة والضغائن في أوساط شعوبهم، ليقسموها ما بين عربي وكردي ويزيدي ودرزي وسني وشيعي. لقد مللنا واقعنا العربي المليء بالقتامة والحزن وغياب الحلم والتفكير العقلاني السوي الذي يرفع رأس الإنسان العربي ليعود لسابق مجده، فالمجد صناعتنا، وبالعمل الجاد نتطلع الى مستقبل مشرق محملا بالأمل.

كاتب ومحلل سياسي بحريني