التعاون الإقليمي على الإرهاب

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٧/ديسمبر/٢٠١٨ ٠٤:٣٣ ص

حفزت الفترة التي أعقبت مباشرة هجمات 11 سبتمبر 2001، قيام تعاون دولي هائل، ومنذ ذلك الحين، تم تسجيل عدد من النجاحات التكتيكية لمكافحة الإرهاب. وقامت الولايات المتحدة ببناء قدرات حلفائها، وتم تعزيز حماية الحدود بصورة أقوى مع تحوّل مجتمع الأمن القومي نحو جمع المعلومات عن الخلايا والمقاتلين الأكثر خطورة.

إلا أن النجاح التكتيكي وحده لا يكفي في مجال مكافحة الإرهاب، فالنجاح الاستراتيجي ضروري أيضاً. وكما سأل الجنرال مايكل ناغاتا في منتدى سابق لمعهد واشنطن، لماذا أصبح الإرهاب العالمي أكثر انتشاراً وتعقيداً اليوم مما كان عليه عندما بدأ المجتمع الدولي في مكافحته بصورة نشطة؟

وفي حين ينبغي على الولايات المتحدة مواصلة التركيز على الجهود الحركية لمنع أي هجمات جديدة، فإنها تحتاج أيضاً إلى بناء قدراتها غير الحركية لتقليل عدد المتطرفين المحتملين. ويعني ذلك مساعدة الشركاء الإقليميين على بناء قدراتهم الخاصة. وتجْمَع واشنطن علاقة معقدة مع تركيا والعراق ودول الخليج وغيرها من الحكومات، مما أدى إلى قيام تعاون تكتيكي كبير في مجال مكافحة الإرهاب، وفي المرحلة المقبلة، هناك سيناريوهان محتملان لأفضل الحالات التي يمكن أن تنتهي بها «الحرب على الإرهاب». الأول هو الانهيار التام للحركات الإرهابية العالمية. والثاني هو أن توقف هذه الحركات هجماتها على الغرب سعياً وراء الفرص المحلية. وفي هذا السياق، تستلزم مواجهة السيناريو الثاني تغيير البيئة لمنع الإرهابيين من ترسيخ أقدامهم على المستوى المحلي.
وينتظر مجتمع السياسات في الولايات المتحدة إصدار الوثيقة المحدّثة من قبل إدارة ترامب حول الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب. وإذا استرشدنا بالماضي كمؤشر، سنجد أنّ هذه الوثيقة ستحوّل عبء عمليات مكافحة الإرهاب إلى شركاء الولايات المتحدة، الأمر الذي سيتطلب تنسيقاً أكثر كثافة مع تلك الدول. ومن الممكن أن يتخذ هذا التعاون أربعة أشكال.
الشكل الأول هو عمليات مكافحة الإرهاب تقوم بها الدول الشريكة، وتشمل الجهود المحلية لإنفاذ القانون، والعمليات العسكرية لاستعادة الأراضي و/أو العمليات المالية لتدمير البنية التحتية للإرهاب. وقد يكون التأثير على هذه العمليات صعباً للغاية بالنسبة لواشنطن، لأنها تعتمد في كثير من الأحيان على العلاقة بين الدولة الشريكة والجماعة الإرهابية موضع البحث. فإذا كانت تلك العلاقة عدائيةً، فمن المحتمل أن تقوم الحكومة بعمليات مكافحة الإرهاب بمبادرتها الخاصة. ولكن، إذا كانت العلاقة تعاونيةً - كما هو الحال مع باكستان و»شبكة حقاني» - فلن يكون أمام الولايات المتحدة ما يمكن فعله للتأثير على تلك الحكومة ودفعها لاتخاذ إجراءات ضد الجماعة.
والشكل الثاني هو التعاون التكتيكي مع الولايات المتحدة، مثل تبادل المعلومات الاستخبارية والسماح بدخول المجال الجوي والقواعد العسكرية. وتعتمد هذه القضايا على العلاقات الثنائية أكثر من غيرها، كما أن للكفاءة السياسية للإدارة الأمريكية تأثير أكبر. لذلك، من غير المستغرب أن يكون هذا النوع من التعاون أكثر نجاحاً من غيره.
والشكل الثالث هو الحصول على مساعدة من دول أخرى، مثل الانضمام إلى ائتلافات أو طلب دعم دبلوماسي للتفاوض مع جماعات مختلفة. إن الائتلافات متعددة الجنسيات ليست جديدة، لكنها تُستخدم بشكل متزايد لمكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من أهمية الديناميكيات التقليدية للتحالفات، إلّا أن تصورات التهديد الإقليمي تكتسي أهميةً أكبر بكثير.
أمّا الشكل الرابع فهو مواجهة التطرف العنيف، الذي هو ذو أهمية بالغة ولكنه في غاية الصعوبة. فالدول تكون أكثر استعداداً لإطلاق مبادرات خاصة بمكافحة التطرف العنيف مثل وجهات النظر المضادة واجتثاث التطرف عندما تدرك وجود تهديد. لكنها نادراً ما توافق على تنفيذ المبادرات ذات الصلة بمكافحة التطرف العنيف مثل الإصلاحات الاقتصادية وتحسين سيادة القانون، وخاصة في الشرق الأوسط.
لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى قضاء المزيد من الوقت في تحليل ما يمكن أن تتوقعه من شركائها في مكافحة الإرهاب. ولأسباب مفهومة، حاول صنّاع القرار التقليل من شأن عمليات مكافحة الإرهاب لصالح منافسة القوى العظمى، مما يجعل المشاركة الفعالة في الأعباء أكثر أهمية.
كلما ظهرت شائعات بأن جماعتين جهاديتين قد تشكلان تحالفاً أو تنفصلان، يميل المحللون في مجال مكافحة الإرهاب إلى التركيز على أوجه التشابه أو الاختلاف بين أيديولوجياتهما وأولوياتهما واستراتيجياتهما. ومع ذلك، لا تشكل هذه السمات مؤشرات جيدة حول ما إذا كانت التحالفات ستقوم أو تنحل بالفعل.
وفي المقابل، تميل التحالفات بين الجماعات غير المتنافسة إلى أن تكون أقوى وأكثر تكاملاً. وعادة ما يحدث ذلك عندما تتشارك الجماعات قضيةً أوسع نطاقاً، ولكنها تعمل في بيئات ضيقة مختلفة، مما لا يوفر لها سبباً قوياً للخوف من بعضها البعض. ونتيجة لذلك، غالباً ما ترى مكاسب بعضها البعض كتعزيز متبادل، وترغب بشكل أكبر في مساعدة شركائها على إصلاح نقاط الضعف التنظيمية.
لقد تم تقييد الجهاد العابر للحدود، ولكن الحرب ضده لم تُحقق سوى نجاح نسبي، حيث أن القضاء على المشكلة بالكامل يتطلب هندسةً اجتماعيةً واسعة النطاق في العديد من البلدان. وبناءً على ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة إعادة النظر في استراتيجيتها. فقد ركز مجتمع مكافحة الإرهاب بشكل مفرط على الهجمات الإرهابية بدلاً من الأهداف السياسية للجماعات الإرهابية. وهذا التركيز يمثّل إشكاليةً لأنه يشجع المدنيين على السعي إلى البحث عن الأمان الكامل من جميع الهجمات، وهو أمر مستحيل. لذلك، ينبغي إيلاء المزيد من الاهتمام لمنع الجماعات الإرهابية من تحقيق أهدافها.
وفي هذا الصدد، لا بد أن تفشل الجماعات الجهادية العابرة للحدود الوطنية على غرار تنظيم «القاعدة»، لأن أهدافها تشمل إعادة تشكيل النظام العالمي لكي يتمحور حول الدين ويجعل الاختلافات الإقليمية عديمة الأهمية. فمعظم المسلمين لا يريدون العيش تحت حكم هؤلاء المتطرفون، لذلك لا تملك هذه الجماعات سوى مساحة محدودة لتجنيد مقاتلين. وعلى الرغم من أن أهدافها السامية تمنحها سبباً كافياً لتوحيد صفوفها، إلّا أنّ عدم اتساقها الأيديولوجي وغرورها الذي يؤدي إلى قيام صراعات يمنعان بانتظام حدوث ذلك. كما أن رؤيتها الدينية تتطلب منها اقتطاع الأراضي الخاصة بها، لكن ذلك يجعلها أكثر عرضةً للعمليات العسكرية.
وبما أن الهدف المتمثل بوقف جميع الهجمات الجهادية أمر غير معقول، يتعين على الولايات المتحدة اتباع استراتيجية الاحتواء. وسيكون هذا النهج أقل كلفةً نظراً لأنه لن يتوجب على القوات الأمريكية أن تكون جاهزةً لتنفيذ عملياتها في كل مكان في وقت واحد. إن الدول الشريكة هي حالياً في وضع أفضل للتعامل مع التهديدات الداخلية، ويجب منحها الدعم اللوجستي والاستخباراتي، ولكن ليس أكثر من ذلك. ولا يتعيّن على الولايات المتحدة أن تتدخل إلا في حال وقوع آثار غير مباشرة وعابرة للحدود الوطنية. وفي الواقع، يجب أن تنشئ قوة استجابة سريعة لهذا الغرض. ورغم أن البعض قد يقول إن واشنطن تنتهج سياسة الاحتواء، إلّا أنها لم تحاول حقاً سوى احتواء الهجمات الجهادية. وإذا ركزت أيضاً على احتواء الأهداف السياسية لهذه الجماعات، فإن ذلك قد يجعل الولايات المتحدة أقل من أن تكون هدفاً.