العمل المناخي يتخطى ترامب

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٣/ديسمبر/٢٠١٨ ٠٥:٣٩ ص

لورا تايسون
ليني ميندونكا

الآن ليس الوقت المناسب لأن يكون المرء منكرا لتغير المناخ مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك في ضوء كل الأدلة الحديثة التي تشير إلى ارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي بشكل أسرع من المتوقع. في يوم الجمعة التالي لعيد الشكر، على سبيل المثال، نشرت حكومة ترامب ذاتها تقريرا مهما حَذَّر من أن ترك تغير المناخ دون ضابط أو رابط من شأنه أن يفرض تكاليف اقتصادية وبشرية هائلة على الولايات المتحدة. وجاء هذا في أعقاب دراسة مفزعة أجرتها الهيئة الحكومية الدولية المكلفة من قِبَل الأمم المتحدة بدراسة تغير المناخ، وهي الدراسة التي رسمت صورة قاتمة لمستقبل الأرض في الأمد القريب.

تؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن التكاليف الإضافية الناجمة عن الفيضانات الساحلية، وموجات الجفاف، والعواصف، والحرارة الشديدة، وحرائق الغابات، قد تصل إلى ما يقدر بنحو 54 تريليون دولار أمريكي بحلول العام 2040، إذا استمرت الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي على معدلها الحالي. من المذهل أن العالَم لم يعد لديه سوى عشر سنوات تقريبا للإبقاء على درجات الحرارة العالمية في حدود 1.5 درجة مئوية فقط فوق مستويات ما قبل الصناعة، وهو الهدف الذي خلص إليه اتفاق باريس للمناخ في العام 2015. وإذا تجاوزنا هذا الحد فإن حتى أقل الزيادات في درجة الحرارة كفيلة بزيادة خطر وقوع أحداث كارثية، وتهديد الملايين من البشر بالفقر والنزوح من الديار.

من جانبه يرفض ترامب تصديق التقييم الذي توصلت إليه إدارته ومفاده أن تغير المناخ من صنع الإنسان ويشكل تهديدا وجوديا. وقد سحب ترامب الولايات المتحدة بقرار أحادي من اتفاق باريس للمناخ، مما يجعل أمريكا تقف وحدها بالكامل في ما يتصل بهذه القضية (وإن كانت البرازيل في عهد الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسنارو قد تحذو حذوه). كما قام ترامب بتفكيك الضوابط التنظيمية البيئية وتعزيز إعانات الدعم المقدمة لصناعة الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة.
ولكن على الرغم من المعارضة الفيدرالية لتدابير تخفيف حدة تغير المناخ، تستجيب الآن المدن والولايات بنشاط. فقد تعهد حكام الولايات، التي تمثل 40 % من سكان الولايات المتحدة ونحو 46% من الناتج المحلي الإجمالي، بتنفيذ اتفاق باريس. ومن خلال مشروع التعهد الأمريكي، تتبنى المدن والولايات والشركات التي تمثل ما يزيد عن 35 % من الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة التدبير الكفيلة بخفض الانبعاثات. وتقدم الهيئات الحكومية والمحلية حوافز وسياسات جديدة لتشجيع استخدام الطاقة المتجددة. كما تعهدت فرقة عمل تابعة لولايات متعددة بوضع ما لا يقل عن 3.3 مليون مركبة لا تطلق أي انبعاثات غازية على الطريق بحلول العام 2025. وتقوم عِدة ولايات بالتحضير لإقامة الدعاوى القضائية التي تطعن في خطط إدارة ترامب لإلغاء الضوابط التنظيمية الخاصة بالانبعاثات الغازية الصادرة عن محطات الطاقة والمركبات.
تقوم حكومات الولايات أيضا بتطوير خطط التكيف مع المناخ. فتستكشف ولاية كاليفورنيا على سبيل المثال السبل لتحسين صحة غاباتها لكي تصبح أكثر قدرة على مقاومة حرائق الغابات ــ في الوقت المناسب ــ لأن العلماء تنبأوا بأن حرائق الغابات في الولاية قد تصبح أكثر شدة بنحو خمسة أضعاف بحلول منتصف القرن، بموجب نماذج المحاكاة. حتى أن اللجنة الساحلية في كاليفورنيا تدرس خطة «التقهقر المنظم» لنقل السكان بعيدا عن الخط الساحلي. وتعمل كل من منطقة خليج سان فرانسيسكو ومنطقة بوسطن على تعزيز الحواجز الطبيعية لامتصاص وتشتيت العواصف. وتعمل ولاية فلوريدا على إعداد المجتمعات لتحمل الأعاصير وارتفاع مستويات سطح البحر من خلال إقامة الشراكات بين القطاعين العام والخاص عبر حدود المقاطعات. وفي ظل أحداث الطقس المتطرفة التي تهدد المحاصيل والماشية، يمارس اتحاد مزارعي ولاية أيوا الضغوط لفرض تدابير وطنية لمساعدة المزارعين في التحول إلى مصادر طاقة أكثر استدامة.
في القطاع الخاص، أكد قادة الأعمال، الذين يمثلون عشرين قطاعا اقتصاديا وإيرادات تزيد على 1.3 ترليون دولار أمريكي، في تصريح علني، على التزامهم بمكافحة تغير المناخ. كما انضمت مجموعة عريضة من الشركات إلى مجلس قيادة المناخ وأقرت خطة لضريبة وأرباح الكربون.
والمستثمرون أيضا يمارسون الضغوط لمواصلة العمل على مكافحة تغير المناخ. على مستوى العالَم، جرى توجيه أكثر من 22.8 تريليون دولار ــ ما يعادل ربع الأموال الخاضعة لإدارة مهنية محترفة ــ إلى استثمارات مستدامة. ولأن تغير المناخ يشكل بالفعل تهديدا لما قيمته نحو 4 تريليون دولار من الأصول المالية، أنشأ مجلس الاستقرار المالي فريق عمل لتشجيع المزيد من الشركات على الإفصاح عن المخاطر المرتبطة بالمناخ.
في السنوات الأخيرة، تفوقت الولايات المتحدة بالفعل على أغلب الدول الصناعية الأخرى في خفض انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون. لكن هذا يرجع بشكل كبير إلى طفرة الغاز الطبيعي هناك، ولا تزال الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر للانبعاثات على مستوى العالَم على أساس نصيب الفرد. وعلى المستوى العالمي، ازداد حجم الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون في عام 2017 بعد ثلاث سنوات من الاستقرار، ويتجه إلى تحقيق ارتفاع غير مسبوق في العام 2018. وفي أغلب الدول والمناطق، لم تُلَب بعد تعهدات اتفاق باريس، التي هي بالفعل غير كافية لمنع الزيادة في درجات الحرارة العالمية من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية.
وفقا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، يتطلب البقاء ضمن هذا الحد خفض صافي الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن أنشطة بشرية بنحو 45 % من مستويات عام 2010 بحلول عام 2030، ومنعها بنسبة 100 % بحلول العام 2050.
من حسن الحظ أن الإبداع، والضغوط من جانب المستثمرين، ونمو التمويل الأخضر، وانخفاض أسعار الطاقة المتجددة، كل هذه عوامل تبعث على التفاؤل الحذر. تُعَد الطاقة الشمسية بالفعل الشكل الأرخص من أشكال القدرة الكهربائية الجديدة في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالَم، إذ تعادل أسعارها نصف أسعار الوقود الأحفوري في بعض اقتصادات الأسواق الناشئة. بحلول عام 2020، من المتوقع أن تنخفض تكلفة الطاقة المتجددة في الاستخدام التجاري إلى ما دون نطاق تكلفة الوقود الأحفوري.

بالإضافة إلى إعادة زراعة الغابات وتكنولوجيات احتجاز الكربون الجديدة، من الممكن أن يلعب تسعير الكربون دورا أساسيا في التوصل إلى تحقيق الهدف الذي حددته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. ولكن على الرغم من الإجماع الواسع النطاق بين خبراء الاقتصاد على أن تسعير الكربون هو الطريقة الأكثر كفاءة وفعالية للحد من الانبعاثات، فإن هذا النهج يواجه عقبات سياسية ضخمة. في الولايات المتحدة، تظل طريقة تحديد السقف والمقايضة وغير ذلك من تكتيكات تسعير الكربون محصورة في كاليفورنيا وقِلة من الولايات الساحلية الأخرى. وعلى مستوى العالَم، تمثل 71 دولة ومنطقة فرضت سعرا للكربون نحو 20 % فقط من إجمالي الانبعاثات.

في قمة المناخ الأخيرة في كاليفورنيا، زعم نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور أننا قادرون على مكافحة تغير المناخ بالاستعانة بالتكنولوجيات القديمة والجديدة، وأننا لابد أن نفعل هذا، لأن تغير المناخ يشكل تهديدا وجوديا لنا جميعا. ولكن القيام بذلك يتوقف على سلوك القادة السياسيين وقادة الأعمال في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالَم. وعلى الرغم من غياب الزعامة الفيدرالية، نجد أن الولايات والمدن والشركات والمواطنين في الولايات المتحدة يرتقون إلى مستوى التحدي.

لورا تايسون الرئيسة السابقة لمجلس

المستشارين الاقتصاديين لرئيس الولايات المتحدة
ليني ميندونكا هو المدير السابق لماكينزي آند كومباني