غربلة اللاجئين في أوروبا

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٩/ديسمبر/٢٠١٨ ٠٤:٠٦ ص
غربلة اللاجئين في أوروبا

د. فيصل القاسم

لا بد طبعاً في البداية من توجيه الشكر للبلدان الأوربية كألمانيا وبريطانيا وفرنسا والسويد وهولندا وفنلندا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا وغيرها على استقبال ملايين اللاجئين السوريين الهاربين من الجحيم. ولو نظرتم إلى شكل الدمار في سوريا لوجدتم أن معظم البيوت مقصوفة من الجو، وهذا يعني أن كل ما نشاهده من مظاهر الخراب التي حلت بسوريا وتكاد تتفوق على مشاهد الحرب العالمية الثانية ببشاعتها، هي من أفعال الجهات التي تملك قوى جوية. ومن الغريب أن روسيا لم تستقبل لاجئاً سورياً واحداً، ووضعت مئات العراقيل أمام أي سوري يريد أن يحصل على تأشيرة لدخول أراضيها.

بعبارة أخرى، فإن المسؤول الأول عن تدمير سوريا وتهجير شعبها هو صاحب اليد العليا من الجو، مع الاعتراف طبعاً أن بعض الفصائل الشيطانية ساهمت بطريقتها في التدمير والتهجير والنهب والسلب.

ماذا يفعل أهالي المناطق التي سوّاها الطيران بالأرض كحمص وحلب ودرعا وريف حماة ودير الزور وغوطة دمشق وغيرها الكثير من المناطق السورية المنكوبة؟ ليس أمامهم طبعاً سوى الهرب من سوريا. أما المناطق المؤيدة للنظام فلم يسقط عليها برميلاً واحداً. وظل سكانها يدخنون الشيشة حتى الصباح، وخاصة في مدن الساحل ودمشق.

ويتذرع بعض سكان المناطق المؤيدة أنهم كانوا يتعرضون لهجمات من داعش وغيرها، لهذا طلب بعضهم اللجوء. ولو صدقنا مثل هذه المزاعم المشكوك فيها، من حقنا الآن أن نسأل: ماذا يفعل آلاف اللاجئين المؤيدين الذين هاجروا إلى أوروبا بحجة الخوف من داعش والنصرة وغيرها؟ لم يعد هناك أي وجود لداعش لا في الساحل السوري ولا في الجنوب ولا في أي منطقة مؤيدة أخرى.
وحتى الدواعش الذين هجموا على محافظة السويداء قبل فترة، وقتلوا أكثر من ثلاثمائة شخص واختطفوا العشرات، مشكوك في من يقف وراءهم بشهادة أهل السويداء أنفسهم.
بعبارة أخرى، لقد كانت مناطق النظام التي هاجر منها ألوف المؤيدين إلى أوروبا بحجة الهرب من الدواعش، كانت آمنة إلى حد بعيد.
لقد وقعت الدول الأوربية التي استقبلت اللاجئين السوريين في حيرة من أمرها قبل سنوات، وكانت تستقبل الهاربين من داعش قبل الهاربين من جحيم النظام.
وحسب إحصائيات الأمم المتحدة فقد اتضح أن نسبة الذين هربوا من خطر داعش لم تتجاوز خمسة بالمائة على أرض الواقع، بينما كانت نسبة الهاربين من المناطق التي دمرها النظام تفوق التسعين بالمائة. وكان الأوربيون يتضامنون مع أي شخص يقول إنه هارب من الإرهابيين الدواعش وغيرهم، وكان يحصل على اللجوء فوراً. لا بل إن بعض الأشخاص كانوا يُخبرون بعضهم البعض عندما يصلون إلى أوروبا بأن يقولوا للسلطات الأوربية إنهم تركوا سوريا بسبب الإرهاب الداعشي، لأن السلطات هناك كانت تمنحهم حق اللجوء بسرعة أكبر.
وقد اضطر كثيرون أن يكذبوا على السلطات الأوربية ويقولوا لها إنهم هاربون من داعش وليس من النظام لتسريع إجراءات الحصول على حق اللجوء.
ولو افترضنا أن بعض اللاجئين الذين حصلوا على حق اللجوء في أوروبا كانوا فعلاً هاربين من الإرهاب الداعشي وغيره، فلماذا لا تبدأ الحكومات الغربية بالنظر في أوضاعهم مرة أخرى كي يعودوا إلى سوريا، خاصة وأنهم من أكثر المؤيدين للنظام، ويخرجون في مظاهرات تدافع عنه في الساحات والميادين الأوربية على الملأ؟ لماذا تنفق تلك الدول ملايين اليوروهات على أشخاص ينتمون إلى النظام؟ كيف تسمح الدول الأوربية لعشرات الألوف من اللاجئين المزعومين أن يحصلوا على حق اللجوء وما يتبعه من امتيازات في السكن والتربية والرواتب وغيرها، بينما باستطاعتهم سالمين آمنين تحت سيطرة النظام في سوريا؟ لماذا لا تقول لهم إن النظام الذي تدافعون عنه وتحبونه أولى بكم، ويجب أن تعودا للعيش في أحضانه، فهو قارد على حمايتكم، لا بل يحتاجكم الآن في صفوف جيشه المنهار؟
لقد كان وزير داخلية مقاطعة بايرن الألمانية «يواخي هيرمن» محقاً عندما قال إن «هناك العديد من اللاجئين السوريين المؤيدين للنظام في ألمانيا، وهم غير مهددين بالقتل والتعذيب في حال ترحيلهم إلى سوريا».
وأضاف الوزير في مقابلة تلفزيونية، أنه «يجب على المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين التفريق بين اللاجئين السوريين المؤيّدين، وبين المُهددين فعلاً».
أليس من الأفضل للدول الأوربية وللاجئين السوريين الحقيقيين أن أن يأخذوا الأموال الطائلة المرصودة للاجئين المزيفين؟ نترك هذا الكلام برسم السلطات الأوربية كي تعيد النظر وتتحرك في أقرب وقت ممكن توفيراً للمال وإحقاقاً للعدالة.