الحرب التجارية

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٥/ديسمبر/٢٠١٨ ٠٥:٠٤ ص
الحرب التجارية

جيفري فرانكل

يشهد العالَم الآن حربا تجارية، ولا تلوح في الأفق أي علامة تشير إلى التوصل إلى حل سلمي في أي وقت قريب. ولكن الآن يبدو الاختلال الطارئ على التجارة شديدا بالقدر الكافي للتأثير سلبا على توقعات النمو الاقتصادي. ولكن هل يعني هذا أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ينبغي له أن يتوقف تدريجيا عن رفع أسعار الفائدة؟

الرد على هذا السؤال هو كلا بكل تأكيد. فمن غير الممكن استخدام السياسة النقدية لتخفيف الضرر الذي أحدثته سياسات تجارية حمقاء.

الواقع أن الصراع التجاري الأكبر يدور بين الولايات المتحدة والصين. فمن المقرر أن ترفع الولايات المتحدة في يناير التعريفات التي فرضتها مؤخرا على الواردات الصينية بقيمة 250 بليون دولار من 10% إلى 25%. كما هدد الرئيس دونالد ترامب بفرض تعريفات جديدة على بقية الواردات الصينية التي تعادل قيمتها 267 بليون دولار. والتقى ترامب مع الزعيم الصيني شي جين بينج في إطار قمة مجموعة العشرين في بوينس آيرس وكان أمل بعض المراقبين أن يحقق الزعيمان انفراجة كبرى في هذا الطريق المسدود إلى التجارة. لكن هذا يبدو مستبعدا؛ لأن تلبية المطالبات الأمريكية إما يتجاوز قدرة الصين (مثل الخفض الكبير في اختلال التوازن الثنائي) أو لأن هذه المطالبات أقل وضوحا من أن يمكن التحقق منها في الأمد القريب (مثل إنهاء نقل التكنولوجيا القسري).
من الحقائق البديهية بين المتعلمين اقتصاديا أنه لا أحد قد يخرج فائزا من أي حرب تجارية. ولكن من الصحيح أيضا أن حتى التأثيرات الإحصائية الكبيرة نسبيا على القطاعات الاقتصادية الفردية تميل إلى إحداث أثر ضئيل نسبيا على الناتج المحلي الإجمالي ربع السنوي، على الأقل في الأمد القريب. ويعكس هذا التضارب جزئيا حصة الخدمات المهيمنة في الاقتصادات المتقدمة الحديثة، نسبا إلى التصنيع والزراعة. ولكن مع اتساع نطاق الحرب التجارية واشتداد حدتها، تزداد توقعات النمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالَم قتامة. وقد أصبحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للتو أحدث هيئة دولية تخفض مستوى توقعات النمو من 3.7% إلى 3.5% في 2019 و2020.
ويبدو أن الحرب التجارية كانت من الأسباب التي أدّت إلى تجدد التباطؤ في الصين. وبدوره، سيخلف التباطؤ الصيني تأثيرات غير مباشرة على دول أخرى، وخاصة الدول المصدرة للسلع الأساسية.
كما تباطأ الاقتصاد الأوروبي في عام 2018، حيث سجّلت حتى ألمانيا انكماشا مفاجئا في الربع الثالث. وكانت التجارة من بين الأسباب: انخفاض الطلب من الصين، وقدر غير مسبوق من عدم اليقين بشأن سياسات الولايات المتحدة، واحتمال الخروج البريطاني «العسر» حيث تترك المملكة المتحدة السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي. بطبيعة الحال، تُعَد التجارة أحد العوامل الكثيرة التي تدفع النمو الاقتصادي، الذي كان قويا في الولايات المتحدة هذا العام، وهو ما يرجع بشكل كبير إلى التحفيز المالي في أواخر الدورة. لكن تأثير التخفيضات الضريبية وزيادات الإنفاق التي جرى تنفيذها منذ ديسمبر 2017 من المتوقع أن يتلاشى قريبا. وتشير التوقعات إلى تباطؤ النمو في الولايات المتحدة من 2.9% في عام 2018 إلى 2.1% في عام 2020.
لا يتفق الجميع على أن سياسات الحماية ضارة بالاقتصاد. فإذا ركز المرء على صافي الصادرات، استنادا إلى حجج أوردها جون ماينارد كينز أو حتى أتباع المذهب التجاري، أليس من الممكن أن يتوقع أن يجد أن تعريفات ترامب تعمل على تحفيز النمو الاقتصادي الأمريكي، مع تحوّل خسائر الآخرين إلى مكاسب لأمريكا؟
تشير تجربة العام الفائت إلى العكس تماما. فمن الواضح أن سياسات الحماية التي ينتهجها ترامب تلحق الأذى بالميزان التجاري الأمريكي (إذا ضممنا التأثيرات المترتبة على سياسات إدارته المالية). فقد بلغ العجز التجاري الأمريكي الشهري نحو 54 بليون دولار في سبتمبر، ليتجاوز بذلك بالقيمة الاسمية للعجز المسجل في كل شهر من عام 2009 إلى عام 2017. والمفترض أن الرسوم الجمركية تخلف تأثيرا سلبيا على واردات الولايات المتحدة، لكن التأثيرات السلبية على الصادرات الأمريكية ضخمة أيضا.
كان هذا متوقعا. فعندما يتباطأ نمو الدخل بين الشركاء التجاريين، تتراجع مشترياتهم من الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، انتقمت الصين ودول أخرى بفرض تعريفات على السلع الأمريكية. من ناحية أخرى، وبسبب عجز الموازنة الأمريكية الذي يشهد تزايدا سريعا -وهو تطور ملحوظ في بلد حقق هدف التشغيل الكامل للعمال- امتد الفائض في قدرة الإنفاق إلى الواردات. وارتفعت قيمة الدولار في مقابل أغلب العملات، مما أدّى إلى تقليص قدرة المصدرين الأمريكيين التنافسية، ومرة أخرى بما يتفق مع النظرية.
ولكن في حين يبدو أن بعض المعلقين يفترضون أن النمو المتباطئ يدعو إلى التيسير النقدي، فإن تدابير الحماية تعمل أيضا على زيادة الأسعار، وهذا من شأنه أن يجعل تأثير السياسة النقدية معاكسا. صحيح أن التأثير على التضخم كان ضئيلا حتى الآن، ولكن هناك المزيد في المستقبل. فيتوقع جولدمان ساكس حالة قاعدية (مع تطبيق التعريفة الجمركية بنسبة 10% على بقية الواردات من الصين في وقت مبكر من الربع الثاني من عام 2019) حيث يصل التأثير على التضخم الأساسي في الولايات المتحدة إلى 0.17% بحلول يونيو. وإذا نفّذ ترامب تهديداته بفرض تعريفات على كل الواردات من السيارات وتطبيق التعريفات بنسبة 25% على كل الواردات من الصين، فإن التأثير على التضخم الأساسي في الولايات المتحدة (الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة) سيصل إلى 0.3% بحلول سبتمبر 2019.
تمثل التطورات التجارية العكسية صدمة عرض سلبية. وبوسع السياسة النقدية البارعة أن تساعد في التعويض عن الطلب السلبي، لكنها لا تستطيع أن تفعل الكثير أو قد لا تفعل أي شيء على الإطلاق للتعويض عن صدمة الطلب. ويأتي تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار كتأثيرات حتمية لا يمكن تجنبها. ويدرك بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أنه إذا كان له أن يطبق الحوافز النقدية في محاولة لإطالة أمد التوسع الحالي بطريقة مصطنعة (كما ضغط عليه ترامب لكي يفعل)، ستكون النتيجة تغذية التضخم.
الواقع أن التجارة ليست العامل الأكبر في الاقتصاد الأمريكي. لكنها مهيمنة في المملكة المتحدة هذه الأيام. ويعتقد كثيرون أن التأثير السلبي المتوقع للخروج من الاتحاد الأوروبي على النمو في المملكة المتحدة لم يتجسّد بعد، وهو ما يرجع جزئيا إلى أن بنك إنجلترا عمل على تخفيف قيود السياسة النقدية. لكن هذا يرجع أيضا إلى حقيقة مفادها أن صدمة العرض لم تضرب المملكة المتحدة عندما حدث التصويت في عام 2016. وبوسعنا أن نقول إن التأثير الوحيد حتى الآن كان على الطلب (وهو ما يرجع إلى انخفاض الاستثمار، على سبيل المثال، تحسبا للأزمة التالية). ومن الممكن أن تعوّض السياسة النقدية عن مثل هذا الانخفاض في الطلب.
وقد تكون المرة المقبلة أسوأ كثيرا. فمن المقرر أن يبدأ الخروج الفعلي من الاتحاد الأوروبي في مارس 2019. وربما تنجح المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في إبرام اتفاق، أو ما هو أفضل (وإن كان أقل احتمالا)، أن تعقد المملكة المتحدة استفتاء آخر وتلغي الأمر برمته. ولكن إذا اندفعت بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي في مارس، بدون أي ترتيبات للحفاظ على التجارة المفتوحة عبر القناة البريطانية، فإن السياسة النقدية من غير الممكن أن تدعم الناتج المحلي الإجمالي، كما حذر مؤخرا محافظ بنك إنجلترا مارك كارني.
تعمل السياسات التجارية الحالية على تقليص الدخول الحقيقية في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى كثيرة. لكن السياسة النقدية لا يمكنها التصدي لهذه التأثيرات. الناخبون فقط هم القادرون على التصدي لها.

أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد