
محمد محمود عثمان
mohmeedosman@yahoo.com
يعتبر تقرير التنافسية العالمية الجديد، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» في سويسرا، من أهم التقارير العالمية لأنه يهدف إلى مساعدة دول العالم على تحديد العقبات التي تعترض النمو الاقتصادي المستدام، ووضع الاستراتيجيات للحدّ من الفقر وزيادة الرخاء، ويقيم قدرتها على توفير مستويات عالية من الازدهار والرفاهية لمواطنيها، ويعدّ من التقارير التي توفر تقييماً شاملاً لنقاط القوة والتحديات الاقتصادية للدول في 140 اقتصاداً، وتعتمد نسبة 70 % من وزن التقرير على البيانات والإحصاءات الصادرة عن الدول المدرجة في التقرير، والـ30 % المتبقية تأتي من نتائج استطلاعات رأي، واستبيانات التنفيذيين، وكبار المستثمرين في تلك الدول، ويعتبر مؤشر سوق العمل وحماية حقوق العمال من أهم المؤشرات التي ترتبط بعمليات التنمية المستدامة، من خلال التقييم السنوي للعوامل المؤدية إلى زيادة إنتاجية الدول وازدهارها.
ومن الملفت للنظر أن تغيب عن مقدمة قائمة هذا المؤشر جميع أسواق العمل العربية، ومن المؤسف أن تأتي مصر في المرتبة 112 من بين 115 دولة في العالم، وهي أكبر دولة عربية وأقدم دول المنطقة في إصدار تشريعات العمل والأقدم في وجود التنظيمات العمالية والنقابية، حيث إن التشريعات المصرية القديمة مسجلة على جدران المعابد منذ قبل الميلاد، بينما تتصدر قائمة المؤشر دول أوروبية هي النمسا وفنلندا وآيسلندا وسلوفاكيا، وقد تميّزت تونس كثيرًا في معيار حقوق العمال وأجورهم، الذي يتضمن الحد الأدنى للأجور ونسبة ذلك إلى الناتج الإجمالي المحلي للدولة، بينما ذكر تقرير منظمة أوكسفام البريطانية بأن تونس من بين أعلى درجات التحسن في سياسات العمالة وتفوقت بذلك على مصر، نتيجة لقوانين العمل الضعيفة وانتهاك حقوق العمال، وفي المقابل، تذيّلت جيبوتي ترتيب الدول العربية التي تضمنها المؤشر، بحلولها في المركز 120 عالميًا، بفارق مركزين فقط عن لبنان التي حلّت في المركز 118 عالميًا، مُبتعدةً عن عُمان التي جاءت في المركز العاشر عربيًا، بحلولها في المركز 113 عالميًا، أما في العراق لا توجد حماية حقيقية للعمال، فهم الفئة الأضعف، فالأجور هي الأدنى في العراق، مع حجم العمل المبذول، لكن لا توجد جهات ولا نقابات تدافع عنهم، وتضع سقفاً للأجور، مما جعل العمال دوماً تحت رحمة أصحاب العمل، فيقبلون بأي شيء، كما صنّف تقرير جديد صادر عن الاتحاد الدولي للنقابات حول مؤشر حقوق العمال لسنة 2018 المملكة المغربية ضمن خانة الدول التي يُوجد بها «انتهاكات منتظمة للحقوق»، وكشفت نتائج التقرير، الذي يشمل 139 دولة عبر العالم والتي تم تصنيفها من 1 إلى 5 حسب مؤشر احترام حقوق العمال، أن المغرب يقع في خانة الدول رقم 3 التي تُوجد بها انتهاكات منتظمة لحقوق الأيدي العاملة.
ومع ذلك فقد حلت المملكة المغربية في موقع متوسط عالمياً مقارنة بأوضاع دول المنطقة، إذ حلت الجزائر من بين أسوأ البلدان بالنسبة لاحترام حقوق العمال والعمل، وتقاسم المغرب خانة «الانتهاكات المنتظمة للحقوق» مع 26 دولة، منها دول أوروبية مثل: إسبانيا، وأستراليا، وفنزويلا، ومقدونيا.
وتربعت الجزائر ضمن 10 بلدان الأسوأ للعمل في العالم، بسبب الظروف التي يعمل بها العمال الجزائريون وكذا الممارسات المنتهجة لقمع الحريات النقابية والعمالية، بجانب كل من مصر وتركيا .
وأورد الاتحاد الدولي للنقابات أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كانت أقل المناطق في العالم خلال السنة الفائتة، وقد أدى الصراع في ليبيا وفلسطين وسوريا واليمن إلى تراجع سيادة القانون وإنكار الحق في إيجاد عمل لائق، ولكن للإنصاف فإن البلدان الأوروبية لم تخلُ أيضاً من انتهاكات حقوق العمال، وفقاً للتقرير ذاته، الذي أكد أن دولاً مثل فرنسا والبرتغال وسويسرا تتضمن «انتهاكات متكررة»، بينما جاءت بلجيكا والدانمارك وفنلندا وألمانيا والسويد في أحسن المراتب بـ«انتهاكات متفرقة».
ومن ثم عيلنا أن نقرأ جيداً ما بين السطور في التقارير الدولية، لمعالجة نواحي القصور إذا وجدت، وأن نراجع القوانين والتشريعات المحلية، حتى تتوافق مع قوانين ومبادئ العمل التي تقرها منظمة العمل الدولية، تحسباً من الانعكاسات السلبية التي تلقي بظلالها على مجتمعاتنا، وحتى لا يؤثر ذلك على إنتاجية العمل وعلى المناخ الاقتصادي الجاذب للاستثمارات الأجنبية.