كمال درويش
كارولين كونروي
لم تلقَ أسفار ستيف بانون واسعة النطاق في أوروبا هذا العام نفس القدر من الاهتمام الذي كان ينبغي أن تلقاه، باعتباره المُنظر الأساسي في الشعار القومي المميز للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يريد بانون الآن بناء اتحاد الأحزاب القومية في أوروبا. ومع ذلك، يتساءل المرء كيف يمكن لمُنظر «أمريكا أولا» متابعة مشروعه السياسي في أي مكان آخر غير أمريكا. من خلال توحيد القوى مع زعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبن -نفسها من المؤيدين الصريحين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين- يبدو أن بانون يدور في ذهنه نوع جديد من «الأممية القومية الجديدة».
تاريخياً، كانت النزعة الدولية بشكل عام حكراً على اليسار، بدءاً بمحاولات الثوار الفرنسيين لتصدير مشروعهم السياسي عبر أوروبا. وقد تم إنهاء هذا المجهود من قبل دكتاتورية بونابرت في عهد نابليون. لكن من المثير للاهتمام أن نتخيل ما كان سيحدث لو أن دول أوروبا آنذاك قد انصاعت أيضا في طريق نظام الجمهورية الاستعمارية. في بداية القرن الفائت، اقتربت الدولية الاشتراكية أكثر من سليفتها لتحقيق طموحاتها العالمية. وقد اعتبرت الحركة الاشتراكية، المتأصلة بقوة في الماركسية الكلاسيكية، أن الدولة القومية هي أداة مؤقتة لتحقيق العالمية البروليتارية. ستعتمد معظم الدول الشيوعية في نهاية المطاف في إطار دولي، وستصبح الدولة القومية قديمة ومنتهية.
في ذلك الوقت، اعتقد كبار الشيوعيين مثل روزا لوكسمبورج -وحتى فلاديمير لينين لبعض الوقت- أن المؤسسات الشيوعية ستكتسب موطئ قدم في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى، ومن ثم ستنتشر في بقية العالم. مع انهيار الإمبراطورية الروسية، تصور البلاشفة أن الاتحاد السوفييتي كان بمثابة طليعة الشيوعية العالمية. لكن عندما فشلت الثورات الشيوعية في بقية أوروبا، أعاد جوزيف ستالين ونيكولاي بوخارين مهمة الاتحاد السوفييتي التاريخية لبناء «الاشتراكية في بلد واحد».
تم إنشاء الاتحاد السوفييتي نفسه في الأصل كاتحاد الجمهوريات الاشتراكية تحت نير هيكل مؤسسي مزدوج يتألف من بيروقراطية وزارات «اعتيادية»، من جهة، والحزب الشيوعي من جهة أخرى. وبموجب هذا الترتيب، شكّل منسقو الأحزاب بنية قوة موازية، وأبلغوا اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. نظريًا، كانت جمهوريات الاتحاد متساوية، وكانت القومية الروسية ضعيفة. لكن في الواقع، سيطرت الجمهورية الروسية سريعا على الجمهوريات الأخريات؛ لأنها كانت مقر السلطة. على الصعيد الاقتصادي، لم يكن لدى الاتحاد السوفييتي سياسة حمائية وطنية واضحة. ومع ذلك، ولأن الإنتاج كان مخططًا مركزيًا من موسكو، فإن صنع السياسة الاقتصادية لعب دورًا حمائيًا، مفضلاً بعض الجمهوريات السوفييتية على غيرها.
لعقود بعد الحرب العالمية الثانية، ستتبع العديد من أحزاب المعارضة الشيوعية واليسارية الاشتراكية في أوروبا قيادة الكرملين. وقد شملت الأحزاب الشيوعية الفرنسية والإيطالية، التي كان كل منها يسيطر على ثلث الدوائر الانتخابية في كل من الدولتين، بالإضافة إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، الذي لم يتخلَّ رسمياً عن جذوره الماركسية حتى عام 1959 في مؤتمر باد جوديسبرج.
في هذه الأثناء، استمر الغرب في السيطرة على الاقتصاد العالمي. مع قيادة الولايات المتحدة، حررت الدول الغربية التجارة وشجعت الآخرين على فتح اقتصاداتها. بمرور الوقت، ستنضم بلدان الأسواق الناشئة المستقلة حديثًا إلى النظام الدولي الذي يقوده الغرب. وحتى الصين، وهي دولة شيوعية اسمياً، ستتبنى في نهاية المطاف مبادئ اقتصادية غربية في سعيها للنمو. داخل الديمقراطيات الغربية خلال هذا الوقت، تم التخلي عن الاشتراكية إلى حد كبير واستعيض عنها بالديمقراطية الاجتماعية، التي رفضت التخطيط المركزي لصالح الأسواق كآلية لتخصيص الموارد.
في مقابل هذه الخلفية التاريخية، كيف يجب أن نفسّر مبادرة بانون؟ هدفه بالتأكيد ليس بناء يمين بديل للاتحاد السوفييتي والأممية الشيوعية. وقد رفض القوميون اليمينيون الأوروبيون البارزون مثل جيروم ريفيير من التجمع الوطني الفرنسي هذه الفكرة على الفور. صرّح ريفيير لصحيفة بوليتيكو في يوليو: «بانون أمريكي، وليس له مكان في أي حزب سياسي أوروبي». «نحن نرفض أي كيان فوق وطني ولا نشارك في إيجاد أي شيء مع بانون».
إن مهمة بانون، إذن، ليست تحسين صنع السياسات أو بناء مؤسسات جديدة لإدارة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين. بدلا من ذلك، ينصب تركيزه الوحيد على إضعاف، وإذا أمكن، كشف المكاسب «الاجتماعية-الليبرالية»، مثل المشروع الأوروبي.
في قلب هذا المشروع، هناك جانبان من الأممية التي يريد بانون وحلفاؤه تدميرها: واحدة من يمين الوسط الليبرالي، وأخرى من يسار الوسط الليبرالي. هذا الهدف، أكثر من أي تشابه في السياسات، هو ما يوحد أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا. رغم ضعفها، لا تزال أوروبا مركز التفكير الأممي الليبرالي. وهذا يجعلها شوكة القوميين الأيديولوجية في كل مكان.
كمال درويش: وزير الشؤون الاقتصادية الأسبق في تركيا.
كارولين كونروي: محللة أبحاث في معهد بروكينجز.