
بيل إيموت
في أوروبا، بالكاد لا يوجد أي شخص لديه ما يقوله ليثني على تحالف إيطاليا الحاكم وحديث العهد، الذي يتكوّن من حركة النجوم الخمسة الشعبية وحزب العصبة الوطنية. وهناك خلاف بين من يرغب في معاقبة إيطاليا على الفور بسبب تحديها لقوانين ميزانية المنطقة الأوروبية، ومن يرغب في تأجيل العقوبات، أو على الأقل إدارتها ببطء. لكن لديّ فكرة: لمَ لا نتحاشى العقوبات بصفة نهائية ومنح فرصة للحكومة الإيطالية؟
والسبب ليس لأن التحالف يحظى بالإعجاب بشكل خاص. فالأمر ليس كذلك. إذ وصل الأمر بحركة النجوم الخمسة إلى شتم الصحفيين المنتقدين وتهديدهم، والاستخفاف بالمهاجرين ومضايقة الحكومات المحلية التي تستقبل طالبي اللجوء الذين خاطروا بأرواحهم بعبورهم البحر الأبيض المتوسط.
ورغم كل هذا، هناك أسباب تدعو إلى التحفظ عن إبداء رأي بشأن الحكومة. فهي، في النهاية، لا زالت حديثة العهد، وشعبية على المستوى المحلي، وتحتل مركزا يسمح لها بفعل شيء إيجابي، وتتحدى قوانين مالية كانت في حاجة إلى الإصلاح على كل حال.
نعم، تحالف حركة النجوم الخمسة والعصبة الوطنية كثير الضجة ومثير للاشمئزاز. إذ أصبح التحالف تحت القيادة الفعلية لوزير الداخلية، ماتيو سالفيني، المنتمي لحزب العصبة، بارعا في مضايقة المنتقدين المحليين والأجانب على قدم وساق، وبشكل يومي. وبينما يبدو وكأن شعبويِّي إيطاليا كانوا دائما حاضرين، وجب التذكير بأن حكومتهم بالكاد مضى عليها ستة أشهر.
لا ينبغي التسرّع في الحكم على أي حكومة إلا إذا كانت تصرفاتها (ليس فقط كلامها) متهورة، إلى حد يُعَرِّض مؤسسات البلاد وأمنه واستقراره للخطر. ولم يفعل تحالف حركة النجوم الخمسة وحزب العصبة شيئا بعد. وما فعله هو اقتراح ميزانية سنوية ستؤدي إلى عجز بنسبة 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019- أي تقريبا قيمة العجز الذي اقترحته الحكومة السابقة ثلاث مرات، لكنه رقم ضخم على مستوى المعايير الدولية.
وكما كان متوقعا، تلَقَّى الاقتراح بشأن الميزانية انتقادا من طرف اللجنة الأوروبية، التي كان باستطاعتها أن تتخذ لأول مرة في تاريخها «إجراءات صارمة تتعلق بالميزانية» ضد إحدى الدول الأعضاء. لكن الحكومة تقترح الرفع من الإنفاق العام وتخفيض الضرائب في الدرجة الأولى، سعيا منها للوفاء بالوعود التي قطعها أعضاؤها خلال حملاتهم. وقد تكون هذه الإجراءات مضيعة للوقت أو غير ناجعة، لكنها ليست متهورة.
وزيادة على هذا، وبخلاف العديد من الحكومات حديثة العهد، نمت شعبية تحالف حركة النجوم الخمسة الشعبية وحزب العصبة الوطنية منذ صعوده للسلطة. ويحظى الحزبان معا بأكثر من 60% من أصوات الناخبين في إيطاليا. وقد لا يدوم هذا الدعم، ولكن لا يمكن تجاهله أيضا. ورغم أن شعبية التحالف راجعة إلى دعمه للمواقف السياسية المخزية- خاصة، موقف الحزب الحاكم المعادي للهجرة ومواجهته للاتحاد الأوروبي- فهي تعكس أيضا تطلع الناخبين إلى دولة مُرَفهة ومعصرنة. وينوي التحالف اعتماد نظام يشبه نموذج «المرونة والسلامة» الناجح للدنمارك. (وبطبيعة الحال، خفض الضرائب والرفع من المعاشات لا تفشل أبدا مع الناخبين).
ومن المؤكد أنه سيكون من الصعب جدا تنفيذ قانون «الدخل على المواطنة» الذي اقترحته حركة النجوم الخمسة. وينص القانون على دفع مبلغ شهري بقيمة 780€ (888 $) للأشخاص الذين يبحثون عن عمل، وتسجيل المستفيدين وإرشادهم عبر مراكز التشغيل المحلية (على غرار النموذج الدنماركي). والمشكل هو أن الإدارة العامة المحلية لإيطاليا معروفة بعدم نجاعتها، خاصة في الجنوب، الذي يعرف أعلى نسبة في معدلات الباحثين عن عمل.
ورغم وجود أسباب تدعو إلى الشك بشأن البرنامج، فهي خطوة في الاتجاه الصحيح. قد يستغرق الأمر عقدا من الزمن لاختبار قابليته للتنفيذ وتحسين هذه العملية. ولكن الوقت حان تقريبا لتبدأ حكومة إيطالية البرنامج على الأقل.
وينبغي أن يُنظر إلى ميزانية الحكومة بأكملها بنفس الطريقة. وأكيد أن الخبراء الاقتصاديين المستقلين على صواب باعتقادهم أن البرنامج لن يحقق ارتفاعا في النمو كما وعد التحالف بذلك. ورغم أن البرنامج سيوفر بعضا من النقود، فهي لا ترقى إلى مستوى الجهود التحفيزية محدَّدة الهدف.
لكن بدل تعريض البلاد لأزمة واسعة النطاق، عن طريق منع تنفيذ مقترح 2019، يجدر باللجنة الأوروبية تشجيع إصلاحات بنّاءة تكون أكثر تركيزا في عام 2020، بعد وفاء أحزاب التحالف بوعود حملاتهم. وبينما قد تؤدي معدلات الفائدة المرتفعة لديون الحكومة الإيطالية ومواجهتها للاتحاد الأوروبي إلى ركود اقتصادي- بل حتى إلى كارثة، إذا هددت بخروج إيطاليا من منطقة اليورو، فقد تمنع مقاربة تكون أكثر ملاءمة لحدوث ما هو أسوأ.
ومن بين مكامن الضعف الرئيسية للاقتصاد الإيطالي، انخفاض مستوى استثماراتها العامة وبنيتها الأساسية المهترئة، كما أثبت ذلك سقوط جسر موراندي في جينوا شهر أغسطس من هذا العام. وللأسف، فالحكومة حاليا منقسمة بشأن الإنفاق على البنية الأساسية. فبينما يدعو حزب العصبة إلى توفير المزيد من القطارات الفائقة السرعة وبناء طرق جديدة، لا زال بعض أعضاء حركة النجوم الخمسة حبيسي أيديولوجية مناهضة للرأسمالية والتنمية. يجب أن يكَسَّر هذا الحاجز، إما من طرف التحالف، أو من خلال انتخابات عامة ستجرى في عام 2019 إذا اقتضى الأمر ذلك.
وموازاة مع ذلك، ينبغي على أعضاء منطقة اليورو الـ18 الباقية أن تنظر فيما إذا كان «التأثير المالي» لعام 2012 الذي كان السبب في أزمة الديون السيادية لليورو، تحتاج إلى التحديث. ولطالما حث ماريو مونتي، رئيس وزراء الحكومة الإيطالية آنذاك، على معالجة الاستثمار الرأس مالي بطريقة تختلف عن معالجة الإنفاق الحالي، حتى تتمكن دول مثل إيطاليا من مواصلة الإنفاق على البنية الأساسية التي هي في حاجة ماسّة إليها.
يجب العمل بنصيحة مونتي. وبينما تناقش بعض حكومات منطقة اليورو المسألة، يتعيّن عليها التخفيف من الركود الذي تعيشه إيطاليا. وذات مرة وصف رئيس وزراء إيطالي آخر، رومانو برودي، معاهدة استقرار ونمو الاتحاد الأوروبي بـ«الغبية». وسيكون من الغباء حقا فرض مواجهة مع أكثر الحكومات شعبية -وشعبوية- في منطقة اليورو باسم القوانين القديمة وبالغة الصرامة.
شغل منصب رئيس تحرير صحيفة ليكونوميست، وهو مؤلّف كتاب مصير الغرب.