لو تجسّد النفط

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٦/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٣:٥٦ ص
لو تجسّد النفط

سمعان كرم

كيف كنّا سنتعاطى مع النفط لو تجسّد وأصبح مخلوقاً ذات مشاعر إنسانية مثلنا. هل كنّا سنشكره أم نتذمر منه؟ هل كنا سننساه كلما ارتفع سعره ولا نعود نسأل عن صحته وعافيته أو كنا سنُلقي اللوم عليه ونحمّله مسؤولية قلة دخلنا كلما هبط معيار برانت (Brent)، علماً أنه هو لا يتدخل في عملية البيع والشراء بل يهتم بعملية الاستكشاف والإنتاج. والبعض قد يتمادى في اعتباره سبب مشاكل الدنيا بأسرها. أما العلاقة الفضلى قد تكمن بالاحترام المتبادل، لا هو يمكنه الاستغناء عنا فيبقى قابعاً في جوف الأرض، ولا نحن يمكننا تجاهله بل نعترف بحقه علينا ونعطيه ما يستحق من الاهتمام. من هذا المنطلق دعونا نطمئن على صحته وعلى صحة الغاز ابن عمه!

قطاع النفط والغاز اليوم «أموره طيبة»، إن كان من نواحي الاستكشاف والاستخراج والنقل والتخزين والتسويق. بالنسبة للنفط، صحيح أنه لم يتم اكتشافُ حقول ضخمة لكن في هذا المجال هناك نشاطات برية وبحرية، خصوصاً في محافظة ظفار، واستثمارات عديدة للحفاظ على مستوى الإنتاج اليومي في السلطنة بحدود مليون برميل يومياً. ويعرف المنتجون أنهم إذا لم يستثمروا في الاستكشاف والإنتاج تهبط الكمية بمقدار 3% سنوياً.

في الوقت الذي تنتج شركتان كبيرتان الجزء الأكبر من النفط (حوالي 75%)، هناك العديد من الشركات المتوسطة التي تنتج الرصيد. والملاحظ مؤخراً أن القطاع الخاص العماني بدأ يهتم اهتماماً بارزاً في استثمارات الاستكشاف والتطوير والإنتاج. كما أن استعمال تقنيات تعزيز إنتاج النفط الثقيل (EOR) قد ساعد على رفع الإنتاج الإجمالي. ومن المتوقع أن تزداد قدرتنا الإنتاجية بأكثر من مئة ألف برميل يومياً في السنتين المقبلتين. حتى الكميات الصغيرة من النفط التي توجد في المياه المصاحبة لاستخراج النفط يصار حالياً إلى تجميعها وإعادتها إلى محطات المعالجة قبل التصدير. هذا ما يحدث حالياً على حقل نمر بالمنطقة الوسطى في مشروع المستنقعات المزروعة (Reed Beds). أما في مجالات النقل والتخزين فقد أسندت أعمال الجزء الأول من مشروع خزانات النفط في منطقة راس مركز جنوب الدقم حيث تصل السعة الأولية إلى عشرة ملايين برميل يومياً مع إمكانية استلام النفط الخام عن طريق البحر في حالة الاستيراد أو تصريف المخزون عن طريق البحر أيضاً في حالة التصدير.
لكن في مرحلة أولى سيستعمل هذا النفط لتغذية مصفاة الدقم التي هي قيد الإنشاء حالياً. مشروع التخزين هذا سيخفف الضغط على خزانات ميناء الفحل التي تبقى طاقتها التخزينية متواضعة بسبب ضيق المكان المتوفر. كذلك التصدير والتسويق يتمان بصورة مستقرة نظراً لجودة نفط عمان من جهة وللمكانة الدولية المميّزة التي بنتها علاقاتنا الخارجية الفريدة مع العالم، وارتفاع الطلب المحلي من المصافي. وهنا تجدر الإشارة إلى الدور المهم الذي تلعبه شركة النقل البحري الوطنية في تأمين اللوجستيات المطلوبة.
والنشاطات في الغاز الطبيعي لا تقل حيوية عن تلك القائمة في النفط، لا بل هي أكثر إثارة نظراً للاكتشافات خلال السنوات القليلة الماضية. ابتدأ إنتاج الغاز في السلطنة في منطقة جبال في الشمال عام 1979 ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا يبقى الغاز مصدر الطاقة الرئيسي لعمليات الإنتاج المعزز للنفط، لتحلية المياه وإنتاج الكهرباء، لإنتاج المواد الكيماوية والأسمدة، للصناعات البلاستيكية وللتصدير بشكل الغاز المسال. فقد أعطى الله تعالى من فضله حقول غاز جديدة قد تغيّر مشهد الطاقة ومنها الاقتصاد الوطني إلى حد ما.
كانت السلطنة تنتج حوالي مئة مليون متر مكعب يومياً من الغاز حتى عام 2017. وعندما زاد الطلب عليه اضطررنا لاستيراد البعض منه من دول شقيقة لتلبية الحاجات خصوصاً في وجود عقود بيع طويلة المدى كان لا بدّ من الالتزام بها. إلى أن باشر حقل خزان في إنتاج كميات مهمة رفعت المحصول بحوالي 30% مما شكّل نقلة نوعية بعد استثمارات مشتركة وصلت إلى حوالي سبعة بلايين دولار. ودخل اليوم حقل خزان هذا في المرحلة الثانية من تطويره باستثمارات إضافية قد تقارب الأولى ومن المتوقع أن يرتفع الإنتاج العام بزيادة تصل إلى خمسين مليون متر مكعب في اليوم الواحد، فقط من خزّان. أما الآمال فهي تأخذ بنا إلى أبعد من ذلك إذ إنه من المنتظر أن يدخل مشروع رباب هرويل حيزّ الإنتاج في العام المقبل إن شاء الله، هو وعدة حقولٍ أخرى مثل حقل خوف في جبال ومبروك وأمل.
في الوقت نفسه يتقدم إنجاز مشروع تجميع الغاز في محطةٍ جديدةٍ في فهود، لتصديره كمواد أولية لمشروع لوى بلاستيك عبر أنبوب يصل فهود بميناء صحار الصناعي حيث تقام المصانع لهذا الغرض. هذا التفاؤل بإنتاج الغاز قد حسّن الجدوى الاقتصادية لإنشاء خط تسييل للغاز في ميناء صحار وغيره من المشاريع هناك. أما في مجال نقل الغاز فقد حصلت شركة الغاز العمانية على قروض ميسرة تعدت البليون دولار وذلك لمواكبة الإنتاج المنتظر وبالتالي تأمين نقله وتصريفه. هذا التفاؤل قد شجّع أيضاً المستثمرين في مجال البتروكيماويات للبدء في دراسات الجدوى الاقتصادية للعديد من المشاريع.
لا نريد هنا الدفاع عن النفط والغاز في وجه الطاقة المتجددة التي يتطلب تطويرها بعض الوقت وإن كانت حتمية بل أن نعطيه حقه من الاحترام والتقدير بأن نسأل عن «علومه» من وقت إلى آخر. واليوم «أموره طيبة»، والنعمة فائضة.
أما كيف نحوّل هذه النعمة إلى مستقبــــل مستدام، فهنا تبقى الكرة في ملعبنا نحن.