
يو يونج دنج
من الواضح أن الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، التي بدأتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية هذا العام تتصاعد بسرعة. فقد فرضت إدارة ترامب بالفعل تعريفة إضافية بنسبة 25% على ما قيمته 50 بليون دولار من السلع الصينية، وتعريفة إضافية بنسبة 10% على ما قيمته 200 بليون دولار من السلع الصينية. وما لم يكن بوسع قادة البلدين أن يتوصلوا إلى اتفاق في لقاء مجموعة العشرين في بوينس آيرس الشهر المقبل، فمن المرجح أن يتفاقم الوضع سوءا. وهذه أخبار أفضل للصين ولكن ليس للولايات المتحدة.
حتى الآن، رفضت الصين الرضوخ للضغوط الأمريكية. ورغم أنها انتقمت، فإنها أبقت على تصرفاتها متناسبة، لتجنب التصعيد المفرط. ولكن لا يوجد من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن إدارة ترامب ــ التي هددت بفرض تعريفات جمركية على كل المنتجات الصينية ــ قد تعكس مسارها. ذلك أن ترامب يعتقد أن أي دولة تعاني من عجز تجاري ثنائي فإن هذا يعني بالضرورة أن شريكها التجاري يستغلها.
الحقيقة بطبيعة الحال هي أن التكاليف التي تتكبدها الولايات المتحدة نتيجة للتجارة مع الصين، أيا كان حجمها، تفوقها الفوائد بأشواط. فبادئ ذي بدء، يدفع المستهلكون في الولايات المتحدة ثمنا أقل في مقابل مجموعة كبيرة من السلع، من الأحذية إلى الأجهزة الإلكترونية، بفضل الواردات المنخفضة التكلفة من الصين.
علاوة على ذلك، تدير الولايات المتحدة عجزا هائلا في الحساب الجاري، وهذا يعني أن حجم ما تقترضه من نظيراتها من الدول الأجنبية ــ وخاصة الصين ــ أكبر كثيرا مما تقدمه من قروض. وفي غياب تدفقات رأس المال الصيني، فإن وزارة الخزانة الأمريكية كانت لتواجه أسعار فائدة أعلى، مما يزيد من تكلفة تمويل الدين الحكومي وتكلفة قروض الرهن العقاري لأصحاب المساكن.
صحيح أن العجز التجاري مع الصين كلف الولايات المتحدة العديد من الوظائف. لكن هذه الخسائر كانت في وظائف منخفضة الأجر، وقد عوض عن هذه الخسائر تشغيل عمالة جديدة في مجالات أخرى. يشير تقرير صادر عن مجلس الأعمال الأمريكي الصيني في العام 2006 إلى أن 500 ألف وظيفة في الصناعات التحويلية فُقِدَت خلال السنوات الأربع اللاحقة سوف يتم التعويض عنها بنفس العدد من الوظائف الجديدة في قطاع الخدمات. ونحن لا نناقش هنا ما إذا كانت هذه التوقعات قد تتحقق. بل السؤال الأساسي ــ وسوف يظل ــ هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ترقية بنيتها الاقتصادية وضمان توزيع محلي أكثر عدلا لمزايا التجارة الدولية.
لعل حساب التكلفة والعائد على هذا النحو هو السبب وراء سعادة الإدارات الأمريكية المتعاقبة بإدارة العجز التجاري مع الصين، حتى ولو تظاهرت خلافا لذلك. والحكومة الصينية أيضا كانت تشعر بالارتياح عموما لهذا الترتيب، برغم أن بعض الاقتصاديين الصينيين حذروا لفترة طويلة من أن إدارة فائض تجاري مع الولايات المتحدة لا يصب في مصلحة الصين في الأمد البعيد، لعدة أسباب أساسية.
بادئ ذي بدء، تعني إدارة فوائض في مقابل الولايات المتحدة تراكم احتياطيات النقد الأجنبي. وكما أشار الخبير الاقتصادي رودي دورنبوش من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فمن المنطقي بدرجة أكبر أن يستثمر سكان البلدان الفقيرة مواردهم في الوطن على النحو الذي يزيد من الإنتاجية ويرفع مستويات المعيشة، بدلا من شراء سندات الخزانة الأمريكية. ومع ذلك، عندما بدأت الصين تدير فائضا تجاريا مستمرا، كان نصيب الفرد في دخلها أعلى قليلا من 400 دولار.
علاوة على ذلك، برغم أن الصين من بين الدول الرائدة في تلقي الاستثمار المباشر الأجنبي، فإنها فشلت في ترجمة كل رؤوس الأموال هذه إلى عجز في الحساب الجاري لتمويل الزيادة في الاستثمار و/أو الاستهلاك المحلي. وبدلا من ذلك، من خلال الاستمرار في إدارة فائض في الحساب الجاري، أسست الصين موقعا استثماريا دوليا منافيا للعقل والمنطق: فعلى الرغم من تكديس نحو 2 تريليون دولار أمريكي في هيئة أصول أجنبية صافية، كانت تدير عجزا في دخل الاستثمار لأكثر من عشر سنوات.
وليس الأمر أن سندات الخزانة الأمريكية تنتج عوائد هزيلة فحسب؛ بل إنها أيضا أقل أمانا مما قد يبدو. ففي نهاية المطاف، يستطيع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن يقرر دائما أن أعباء ديونه أصبحت أثقل مما ينبغي، فيحاول التخلص منها عن طريق تضخيمها من خلال طباعة المزيد من الدولارات. وفي ظل ظروف أكثر تطرفا، ربما يلجأ حتى إلى عزل الأصول الأجنبية المقومة بالدولار لدى الصين.
باختصار، تجاوزت الصين السوق العالمية، وأصبح اقتصادها في حاجة ماسة إلى استعادة التوازن. ورغم أن الصين حققت تقدما كبيرا على هذه الجبهة منذ عام 2008، كان إجمالي نسبة التجارة إلى الناتج المحلي هناك (37 %) ونسبة التصدير إلى الناتج المحلي الإجمالي (18 %) أعلى كثيرا من نظيرتيهما في الولايات المتحدة، واليابان، وغيرهما من الاقتصادات الكبرى. يتعين على الصين أن تكف عن تكديس احتياطيات النقد الأجنبي. وإذا كان لها أن تجمع الأصول الأجنبية، فلابد أن تكون هذه الأصول أكثر ربحية من سندات الخزانة الأمريكية. على أية حال، ينبغي للصين أن تعمل أيضا على خفض الخصوم الأجنبية المكلفة. ولتحقيق هذه الغاية، يتعين عليها أن توازن بين وارداتها وصادراتها، مع تسوية أرض الملعب لضمان تكافؤ الفرص للشركات الأجنبية التي تعمل داخل سوقها من خلال إزالة الحوافز المقدمة للحكومات المحلية لمساعدتها في المنافسة على الاستثمار المباشر الأجنبي بصرف النظر عن التكلفة، أو الانخراط في أشكال أخرى من التدخل غير المبرر.
أخيرا وليس آخرا، من المؤكد أن الصين ستبذل جهدا أكبر في مجال الإبداع والابتكار الوطني لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية.
في عام 2005، عندما كانت الحكومة الأمريكية تضغط على الصين لحملها على السماح لقيمة الرنمينبي بالارتفاع، كَتَبَ فيليب سواجل، العضو السابق في مجلس مستشاري الرئيس جورج دبليو بوش للشؤون الاقتصادية: «إذا كانت العملة الصينية مقومة بأقل من قيمتها بنسبة 27 %، كما زعم بعض المراقبين، فإن المستهلكين في الولايات المتحدة كانوا يحصلون على خصم بنسبة 27 % على كل شيء صُنِع في الصين، في حين كان الصينيون يدفعون 27 % زيادة على الثمن الحقيقي لسندات الخزانة». وقد أكد سواجل أن صناع السياسات في الولايات المتحدة أدركوا هذه الحقيقة بكل تأكيد، ويتعين عليهم «أن يدركوا بكل تأكيد أن حملتهم العامة لا تحقق أي غرض سوى زيادة صعوبة أي إجراء يتوجب على الصينيين القيام به».
ولكن كما اعترف سواجل، فربما كان ذلك هو الهدف على وجه التحديد. ذلك أن دفع الولايات المتحدة للصين لحملها على السماح لقيمة الرنمينبي بالارتفاع كانت «محاولة منحرفة مخادعة» لإدامة «الفوائد الهائلة» التي حصلت عليها الولايات المتحدة، على حساب الصين، نتيجة لسعر الصرف الثابت. وحتى إذا كان هذا مجرد حادث، فإن النتيجة النهائية كانت «استراتيجية بارعة للإبقاء على الأوقات الطيبة».
في ظل ترامب، ربما تكون هذه الأوقات الطيبة على وشك الانتهاء. ويزعم ترامب أن «الحرب التجارية» مع الصين « خسرتها أمريكا قبل سنوات طويلة بسبب الحمقى والعاجزين الذين مثلوا الولايات المتحدة». لكنه هو الذي سيذكره التاريخ في الأرجح بوصفه الأحمق ــ الزعيم الأخرق المتقلب الذي تسببت هجماته على الصين في جعل اقتصادها أقوى، على حساب أمريكا ولو جزئيا على الأقل.
الرئيس الأسبق للجمعية الصينية للاقتصاد العالمي، ومدير معهد الاقتصاد العالمي والسياسة في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية سابقا