
خالد البحيري
على نفس النســق المرســوم منذ انطلاق النهضة العمانية مع استلام جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في العـــام 1970، تسير السياسة الخارجية العمانية، مدعومة بإرث حضاري ضارب في عمق التاريخ لآلاف السنين، ومرتكزة على رؤية حكيمة وفهم معمق لمجريات الأمور على الساحة العربية والدولية، وإيمان راسخ بأهمية السلام ودوره في استقرار المنطقة ودفع عجلة التنمية المستدامة فيها.
ويسجل التاريخ بمداد من نور، مواقف تاريخية ثابتة لجلالة السلطان قابوس تجاه فلسطين، محورها؛ دعوة صادقة وحكيمة تنطق بصوت العقـل، وتطالب دائما في كل المناسبات والمحافـــل وعلــى كافة الأصعدة بضرورة الاحترام الكامل والمطلق للقرارات المصيرية التي يتخذها الشعب الفلسطيني وقيادته، وصون استقلال قراره الوطني؛ واحترام إرادته وحقه في اختيار ما يراه مناسبا لأوضاعه ومستقبله.
كما يحتفظ العقل الجمعي للأمة العربية، بل والمجتمع الدولي بمزيد من التقدير والإجلال والامتنان للسياسة الخارجية للسلطنة ودورها المؤثر والحيوي تجاه القضية الفلسطينية، فهي على طول الخط داعمة ومؤيدة ومناصرة، ولها مواقف ثابتة ومؤكدة حيال حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، واعتماد مبدأ الحوار والتفاهم طريقا للوصول إلى السلام العادل والشامل في المنطقة.
ولا يخفـــى علـــى القاصي والداني الدعم الكبير الذي تقدمه عمان للأشقـــاء في الأراضـــي المحتلة سواء كان دعما سياسياً، أو مادياً، أو إعلامياً، ويتجلى ذلك بصورة واضحة في مواقف السلطنة من القضية الفلسطينية خلال المناقشات والقرارات التي تصدر عن جامعة الدول العربية أو الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى العاصمة مسقط الأسبوع الفائت ومباحثاتهما التي أجرياها مع صاحب الجلالة، إذ يأتي ذلك ضمن سياسة يمكن أن نطلق عليها «النُصح»، فالسلطنة بما تملكه من خبرات وعلاقات دولية قوية ومتينة ومتشعبة مع كافة الأطراف الدولية والإقليمية لديها إطلاع ودراية بالكثير من مجريات الأمور ومآلاتها المستقبلية، وبالتالي فهي بقراءتها واستشرافها للمستقبل المنظور والمأمول قادرة على أن توجه النصح للأطراف المتصارعة والمتنازعة وأن تمثل رؤيتها تحريكا للمياه الراكدة وحلحلة للقضية التي دخلت مرحلة «التجمد» بفعل صراعات ومستجدات إقليمية تصدرت المشهد والواجهة واستحوذت على النصيب الأكبر من جهود المجتمع الدولي.
ولا ريب في أن الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) قد سمعا من السلطنة ما يدعم عملية السلام وينزع فتيل الأزمات المتصاعدة بين الجانبين، ويدفع باتجاه حل يضمن عدم اندلاع حرب جديدة يروح ضحيتها الكثير الأبرياء، وهي إن جاز تسميتها بـ«النصائح» فهي مقدرة لأنها نابعة من ذي عقل وحكمة، لا يبغي من وراء ذلك إلا الانتصار للمذهب الذي آمن به واعتنقه وهو مذهب «السلام»، وانفق من عمره الكثير يسعى لإقراره ونشره ليجنب المنطقة ويلات الحروب وأصوات المدافع ورائحة البارود.
وما الزخم الكبير الذي واكب زيارة المسؤولين الفلسطيني والإسرائيلي إلى السلطنة إلا تعبير صادق عن ثقة المجتمع الدولي بالرؤية الحكيمة لصاحب الجلالة، واليقين الراسخ بأنه حتى لو ظن العالم أن مسارات الحل كلها معطلة ومسدودة فإن عُمان وقيادتها الحكيمة تملك من الحلول والمسارات الكثير، غير أن طبيعة العمانيين تأبي الإعلان المبكر عن نتائج دون الاستيثاق من جدية الأطراف وإمكانية إحراز تقدم حقيقي وملموس.
إن مجرد النصيحة الصادقة المبنية على خبرات تراكمية طويلة هي في حد ذاتها نجاح يحسب العمانيين الذين لا يقايضون على أي من الحقوق أو الثوابت العربية، ولا يتاجرون أو يتربحون من مواقفهم، ولا يأبهون بالوقوف أمام عدسات المصورين لينالوا سمعة دولية، فالقاصي والداني يعرف أن عُمان هي موطن الحق وساحة السلام ونبراس العدل وأنها السر الكامن وراء استقرار المنطقة وعدم تفجر الأوضاع إلى ما لا يحمد عقابه.
مراسل «الشبيبة» بالقاهرة